وهكذا كان، فكان الخلفاء: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ثم تولى من اجتمع الناس عليه وصار له عزّ ومنعة: معاوية، وابنه يزيد، ثم عبد الملك وأولاده الأربعة، وبينهم عمر بن عبد العزيز. وبعد ذلك حصل في دولة الإسلام من النقص ما هو باق إلى الآن؛ فإن بني أمية تولوا على جميع أرض الإسلام، وكانت الدولة في زمنهم عزيزة، والخليفة يُدعى باسمه: عبد الملك، وسليمان، لا يعرفون عضد الدولة، ولا عزّ الدين وبهاء الدين، وفلان الدين وكان أحدهم هو الذي يصلِّي بالناس الصلوات الخمس، وفي المسجد يعقد الرايات، ويؤمّر الأمراء، وإنما يسكن داره، لا يسكنون الحصون، ولا يحتجبون عن الرعية )) .
وقد تحامل أهل الأهواء والبدع من الشيعة والخوارج والقدرية والجهمية والمعتزلة ونحوهم على بني أمية وأشهروا أخطاءهم وأغمضوا عن حسناتهم، لأنهم كانوا (أعني بني أمية) يقفون ضد تيارات البدع والأهواء ودعاتها بقوة وحزم وهذا مما أغاظ المبتدعة وأهل الأهواء وأشياعهم، وأوغر صدورهم على بني أمية وعلى السلف الصالح الذين لا يؤيدون الظلم، لكنهم شكروا لبني أمية صنيعهم في نصرة السنة، وقمع البدعة وأهلها، وهم الذين نشروا الإسلام وواصلوا الجهاد وفتحوا الفتوح.
كما أن هذا لا يعني أن السلف سكتوا عما كان يحدث من بعض ولاة بني أمية من المظالم والفسوق والأثرة، بل كانوا ينكرون عليهم ويناصحونهم ولم يقروهم على ظلم ولا على باطل وهذا هو المنهج الحق.
حرص السلف على جمع كلمة الأمة على ولاتهم - وإن جاروا - ليس رضى بالظلم والفسوق والأثرة، ولا إقرارًا بذلك؛ بل امتثالًا لأمر الله ورسوله بلزوم الطاعة والجماعة في المنشط والمكره، ونبذ الفرقة والخروج، وهذا أصل عظيم من أصول السنة، ومسلّمة ضرورية من مسلّمات الدِّين، تقوم عليها مصالح للأمة، وتدرأ بها مفاسد كبرى معلومة من الدين بالضرورة.
أما ما يكون من بعض الجاهلين، أو المتأولين من الولاة والعلماء وغيرهم ممن ينتسبون للسلف، مما هو خلاف ذلك، فهو اجتهاد شخصي غير محسوب على منهج السلف، لأنه مخالف لصريح السنة.