أي قد لبثت في قومك من قبل أن تأتي بهذا القرآن عمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة، بل كل واحد يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس فيقول: إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء [1] .
قال ابن تيمية: (بين سبحانه من حاله ما يعلمه العامة والخاصة، وهو معلوم لجميع قومه الذين شاهدوه متواترا عند من غاب عنه، وبلغته أخباره من جميع الناس أنه كان أميا لا يقرأ كتابا ولا يحفظ كتابا من الكتب، لا المنزلة ولا غيرها، ولا يقرأ شيئا مكتوبا، لا كتابا منزلا ولا غيره، ولا يكتب بيمينه كتابا، ولا ينسخ شيئا من كتب الناس المنزلة ولا غيرها) [2] .
ومن الجدير بالذكر هنا أن نشير إلى أنه حتى القرن السادس من التقويم المسيحي حينما كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يرتل كلام الله الذي أوحى به إليه لم يكن الكتاب المقدس أو الأناجيل قد ترجمت بعد إلى اللغة العربية، ولم يكن يستطيع أن يعرف كبشر أن كثيرا مما جاء به موجود في نسخه اليونانية، وأن ما جاء به عند مقارنته يقول المقارنون في شأنه: شتان ثم شتان.
وعلى فرض صحة إدعاء الزاعمين لو زعم أحدهم أن جميع النسخ العربية للكتاب المقدس كانت بين يديه كما هي الآن بين يدي أقلبها ورقة ورقة، أو قل إن شئت جميع نسخ الكتاب المقدس بلغاتها الأصلية ومترجمة له بكل لغات العالم لغة لغة، فإن ما جاء به أعلم وأكمل، وأدق وأشمل، وأعظم وأجمل، وأعلى وأفضل من أصله الذي نقل عنه، هذا لو فرضنا في قول الزاعم صحة زعمه، فعند نظر العاقل ومقارنته يقول المقارنون في شأنه: شتان ثم شتان.
(1) ... انظر بتصرف إعجاز القرآن لابن القاسم 1/ 34، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/ 418.
(2) ... الجواب الصحيح لابن تيمية 5/ 338.