لقد حدث للإسلام شيء قريب كالذي حدث"لأديان سماوية أخرى ... حتى تجاوز الناس حدودهم في تفسير وتأويل تعاليم العقيدة، فطرأ على فهمهم الكثير من التعقيد والاختلاف" (المصدر السابق، ص/ 34) ... مما جعلهم يضفون على المتخصصين (الفقهاء) صبغة القداسة، حتى أن رجال الدين صدّقوا أنفسهم انهم (ذو قداسة) وتميزوا عن الرعية، حتى بنمط ملابسهم التي تشيع في النفس الهيبة والسلطوية والإجلال والطاعة، باعتبارهم في نظر الرعية يحتكرون فهم تعاليم الدين وحدهم، حتى تمادت الرعية في هذه البدعة وقدّمت لهم ألاعطيات والنذور والهبات والأقطاعات ومن كل شيء عزيز وثمين كان لهم منه النصيب الأوفر والأول، للحصول على البركة الكاذبة منهم، والتي جعلتهم (رجال الدين) يصدقون انفسهم ويمتهنون الدين ويمتطون الرعية، حيث ينطبق عليهم المثل القائل (العمر على الله والعيشة على الأجاويد - Pauper) .
إن الفوضى والحالة هذه هي نقيض النظام والانتظام من جهة، وان اعتبرت قيمة بعد أن كانت أزمة اجتماعية تعني الغموض وانعدام التوازن والاستقرار من جهة أخرى، أما كقيمة فلأنها موجودة في المجتمع من خلال الأعراف والثقافة والتقاليد والأخلاق والعادات والقوانين وأنماط الحياة ونظم الحكم، لذا فان تأثيرها قد انعكس على سلوك وأخلاق وتقدم ورقي الإنسان العربي .. وعادت بالمجتمع إلى حياة البداءة والغموض .. (عبد العزيز قباني،1992، ص/17) .
وباعتبارها مصدر (وأم) الآفات والظواهر والعلل الاجتماعية (كما الخمر) في نظر الشريعة، وبكونها (الفوضى) أزمة شاملة تبدأ من الأسرة والمدرسة والمجتمع وتنتهي بالحياة اليومية وطبيعة نظام الحكم وإدارة الدولة وما تشمله من مؤسسات، حتى أنها تجاوزت الجوانب المادية للمجتمع والدولة أصبحت تسيطر (تتحكم وتقود) الفرد من حيث طبيعة العلاقات الجنسية والشهوانية والثقافية والاقتصادية والنقابية والعلاقاتية والطائفية وحتى الجيش، الذي يتصف بالضبط والربط والنظام فلم يخلص منها، وحتى في مجالات الفكر والفن والمأكل والملبس وطرق التعامل اليومية ... وفي كل شيء، ولهذا فهي تعيش معنا وبنا (وبداخلنا) من الميلاد حتى الموت، بل أصبحت من ضرورات الحياة في المجتمع حتى أنها .. تعتبر شيئا طبيعيا أو نظريا في الفعل ورد الفعل .. (قباني،1992، ص/150) ... وهي ليست وليدة حقبة معينة بل لها صلة تاريخية بالماضي، والدليل أننا نعيش الحاضر بها، وهنا السؤال ... هل هي موروث أم موروثة ... ؟ أم هي تقليد ... ؟