النظر إلى الماضي والذي ينطوي في جوهرها على فكرة (الانحدار- Restitution) ... والتي تعطينا معنيان، فإما أن تؤدي إلى الفوضى، أوهي الفوضى بعينها، فالانحدار يعني أن الأمة الإسلامية فقدت زمام قيادتها وأهداف رسالتها، واصبح المسلمون ينظرون إلى عصر الإسلام الأول العظيم وكأنه صورة ينبغي للعالم أن يكون عليه بسبب الضياع والتخبط والفوضى" (حوراني،1997، ص/17 - 18) ."
لذا فقد كان المجتمع العربي-الإسلامي مذاك الوقت (نهاية العصر العباسي الأول) يعيش في مجموعات بشرية متصارعة، تعمها الفوضى والانقسامات والولاءات العصبية وليس كمجتمع واحد، لذا فان ولاء الفرد وخاصة في حالات إشباع الحاجات والرغبات والحصول على الأمن والحماية حتمت عليه التشبث بالعصبية والقبلية في سبيل تحقيق غاياته من جهة، ومن جهة أخرى وكما يقول المعلم (ابن خلدون في مقدمته ص/111 - ص/112) "لأن الشارع (ص) لما اخذ المسلمون عنه دينهم كان وازعهم فيه من انفسهم ... (أي انهم تأدبوا ذاتيا - وايمانيا داخليا) ... بالترغيب تارة وبالترهيب ولم يكن تأديبا صناعيا ... (مصطنعا) او تعليميا بل هي احكام الدين وادابه ... لكن بعد وفاة الشارع (ص) بقيت ... سورة بأسهم مستحكمة ... وتناقص الدين في نفوس (قلوب) الناس ... حتى اصبح الشرع (شريعة الشارع - ص-) علما وصناعة ويؤخذ بالتعليم والتاديب ... فاصبح الوازع اجنبيا" (خارجيا) ... وكان النظام السياسي السائد يغذي هكذا علاقة في تعامله مع الرعية وكسب الأنصار والموالين له بأسلوب صراعي - استباقي (Competition Agonistic) يتسم بالطابع الفوضوي وعدم مراعاته للقيم والعادات والأخلاق والنظم الاجتماعية، ... حيث"من اخلاق البشر الظلم والعدوان ... وسببه هو الحكام والدولة ... بسبب القهر والسلطان وابتعادهم عن النظام ..." (نفس الصدر السابق ص/112) وهذا ما استمر خلال عهود الاستعمار الأوروبي، إلا ما كان يهدد وجود ومصالح الاستعمار ومن بعده اسرائيل (سنفصل ذلك في الفصل الخامس) فكان الاستعمار او الاحتلال يشهر النظام والقانون والانتظام إلى حين حيث كان له وجهان، وجه حضاري يعكس ما وصل إليه الغرب والصهيونية من تقدم وتطور في جميع المجالات، ووجه أخر كان يتلاءم ويتواءم مع الواقع العربي المعاش ويشجعه على اعتبار أن وجود الاستعمار كان وجودا مصلحيا ومؤقتا.