واليتامى والمحتاجين الخ ... ) ... والصورة الأبشع هي ما يجب على الزائر أن يفعله عند زيارة ضريح (مقام) عبد القادر الجيلاني في بغداد، فأول ما يجب عمله هو أن"يتوضأ الزائر ثم يصلي ركعتين ثم يتوجه إلى تلك الكعبة ... (الضريح) ... ويبدأ بالدعاء والمناجاة فيقول (يا صاحب الثقلين اعني وفرج كربتي ... يا سيد السماوات والأرض والنّفاع والضّرار والمتصرف في الأكوان والمطّلع على الأسرار ومحي الموتى ومبرئ ألاكمه والأبرص والأعمى وماحي الذنوب ودافع البلاء والرافع والواضع وصاحب الوجود التام ... الخ"(المنفلوطي، 1983، ص / 65) ... فهل يعقل إن كل هذه الصفات لصاحب الضريح وليست لله ... ؟
إن هذه الممارسات ما زالت متداولة بين الناس وهي آفة من آفات الثقافة العربية قديما وحديثا ولهذا فلم تراعى عوامل التغير الثقافي فحسب بل"فرض عليها فرضا أن تنهض بحمل مطلقات أو ادعاءات بامتلاك الحقيقة المطلقة ونفي الأخر الفكري والسياسي والديني والقومي وغير ذلك" (محمد السيد سعيد، 2000، ص / 45) ... وعليه فما زالت هذه المجتمعات مبتلاة بالجهل والفقر، رغم التقدم التكنولوجي في جميع المجالات وتطور التعليم وإكساب العقل مهارات فكرية وقدرات ذهنية إبداعية، وما يسمى بالانفتاح على العالم كالهجرة والسياحة ووسائل الاتصالات والمواصلات والإعلام، فالمنفلوطي خير من يصوّر لنا هذه المآسي ويرصد لنا عمق التخلف وفوضى القيم في كتاباته جميعها والتي شملت مختلف التركيبة الاجتماعية للمجتمع العربي والمصري بشكل خاص.
إن الثقافة العربية تعيش أزمة وجود ذات اوجه متعددة فهي لم تبلغ بعد مرحلة المصالحة بين الأنا والأخر ولا بين النحن وهم، فالأنا"يمثله فريق نخبوي يفرض أيدلوجية بشكل فوقاني على السواد الأعظم ... فيبرز الصراع هادئا حينا وعنيفا حينا أخر ... والانا الأخر يعاني من انعزالية لم تعرف حقيقة التواصل والاتصال، وفريق أخر يدّعي بالتواصل مع التراث إلا انه ... (صدى) ... ورد فعل على تيار الغربنة ... وهو بذلك ازدواجي، يقبل بالرأي الأخر ليحبذه أو ليحتمي من أذاه ... ويخلق أرضية حوار قائمة على التضليل والتزييف والتمويه ... ثم تتجمع هذه الأنماط السلبية لتأخذ مواقف متعددة من السلطة، التي تتحكم في فريق الأنا من اجل النفعية والارتزاق والعيش كالفطريات وعلى مغانم الطبقة الحاكمة تحقيقا لمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، ثم هناك فريق أخر معارض ورافض ومنكفئ على هامش الحياة الاجتماعية في مواجهة قسوة وقمع وطغيان الدولة التسلطية" (الطاهر لبيب واخرون، 1992، ص / 11 - 12) .