القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد، هي المذهب, والظاهرية أن المحال يجبر على قبول الحوالة إذا أحيل على مليء, فأبى, وامتنع [1] .
الأدلة:
أدلة جمهور الفقهاء على الاستحباب, استدلوا على ذلك بالآتي:
1)ما أخرجه أصحاب السنن عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مطل الغني ظلم, وإذا أتبع أحدكم على مليء, فليتبع» . متفق عليه.
ووجه الاستدلال: أنهم حملوا الأمر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليتبع» ، على الندب، حيث قال السيوطي [2] :"وليس الأمر في الحديث على الوجوب, وإنما هو على الرفق والأدب، وكلاهما مندوب إليه شرعًا، والصارف للأمر عن الوجوب إلى الندب هو القياس على سائر المعاوضات، وبقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» الحديث [3] ."
2)ثم إن الحوالة من قبيل المعروف, والمكارمة من الطالب كـ «الكفالة» و «القرض» و «العرايا» , فبذلك تعين صرف الأمر في الحديث عن الوجوب إلى الندب [4] .
حجة من قال بالإباحة:
قال ابن الهمام في «فتح القدير» : والحق الظاهر أنه أمر إباحة ـ أي: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليتبع» ـ، وهو دليل جواز نقل الدَّين شرعًا، أو المطالبة، فإن بعض الأملياء عنده من اللدد في الخصومة, والتعسير ما تكثر به الخصومة والمضارة، فمن عُلِمَ من حاله هذا لا يطلب الشارع إتباعه بل عدم إتباعه لما في اتباعه من تكثير الخصومات والظلم، أما من عُلِمَ منه الملاءة, وحسن القضاء, فلا شك في أن إتباعه مستحب؛ لما فيه من التخفيف على المديون, والتيسير عليه، ومن لا يعلم حاله، فمباح إتباعه، لكن لا يمكن إضافة هذا التفصيل إلى النَّص ـ الحديث ـ؛ لأنه جمع بين معنيين مجازيين للفظ الأمر في إطلاق واحد, فإن جعل للأقرب، أضمر معه القيد، وإلا فهو دليل الجواز للإجماع على جوازها دفعًا للحاجة [5] .
ويضيف القرافي [6] مستدلًا لمن قال بالإباحة: إن الحوالة من قبيل بيع الدَّين بالدَّين, وهو ممنوع, ولكنها جوزت استثناءً من الحظر، والأمر بعد الحظر للإباحة.
ويمكن مناقشة أدلة, وحجة من قال بـ «الإباحة» بالآتي:
أولًا: فيما يتعلق بما ذكره الكمال بن الهمام, ففي التفصيل الذي ذكره، عندما نعلم لدد, وخصومة, وصعوبة اقتضاء الدَّين من المحال عليه, فمَن الذي يقول بأن يجبر المحال على قبول الحوالة؟ لا يقول بذلك عاقل إلا إذا خاطر المحال, وغامر, وقبل ذلك على هذا الحال, فهذا شأنه.
(1) شرح فتح القدير 7/ 222، البهجة شرح التحفة 2/ 91.الذخيرة 7/ 422. مغني المحتاج 3/ 190.
(2) معونة أولي النهى 4/ 426. الروض المريع بحاشية النجدي 5/ 122. كشاف القناع 3/ 384.المحلي لابن حزم 6/ 392.
(3) شرح السيوطي سنن النسائي 7/ 225226.
(4) عون المعبود شرح سنن أبي داود 7/ 200.
(5) الذخيرة للقرافي 7/ 422.
(6) شرح فتح القدير 7/ 222.