وفي الحالة الثانية: عندما نعلم من حال المحال عليه الملاءة, وحسن القضاء, فهذا مستحب في حق المحال أن يقبل الحوالة؛ للتعليل الذي ذكره.
وفي الحالة الثالثة: عندما نجهل حال المحال عليه، أليس يحمل أمر المسلم على الأحسن من حسن القضاء, وعدم المماطلة, وعدم الظلم, وأكل مال الناس بالباطل, والتي هي خصال على خلاف الأصل، فيكون قبول الحوالة مستحبًا كما في الحالة الثانية.
ثانيًا: فيما يتعلق بما ذكره الإمام القرافي من حجة لأصحاب هذا الرأي:
فأقول: كون الحوالة مستثناة من بيع الدَّين بالدَّين، هذا رأي, وهذا احتمال، وهناك احتمال آخر من أنها عقد مستقل بنفسه ليس بمحمول على غيره، ولا مستثنى منه، والأول ليس بأولى منه في الاعتبار, والثاني مترجح؛ لأنها من باب المعروف.
أدلة من قال بوجوب قبول الحوالة, وبالتالي يجبر المحال إن أبى:
استدلوا على ذلك بالآتي:
1)الحديث الذي روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وإذا أتبع أحدكم على مليء, فليتبع» .
ووجه الاستدلال: أن هذا أمر, والأمر في ظاهره للوجوب.
2)أن للمحيل توفية الحق الذي عليه بنفسه, وبوكيله، وقد أقام المحيل المحال عليه مقام نفسه في التقبيض, فلزم المحال القبول قياسًا على ما لو وكَّل رجلًا في إيفائه [1] .
ويمكن الرد على ذلك بالآتي:
3)قال الإمام القرافي [2] : إن قولهم هذا مخالف للقواعد؛ لأنه قد يحيله على من يؤذيه، أو لا يقدر عليه, وقد يحيلك الذي أحلت عليه على غريمه كذلك إلا ما لا نهاية، وهذا هو الذي صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب.
4)ما ذكره ابن العربي في «العارضة» [3] ـ وسوف أنقله بنصه ـ:"زعم بعض العوام أن قول النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «وإذا أحيل أحدكم على مليء, فليتبع» أن هذا لازم الغريم إذا عرض عليه الإحالة؛ لأنه جاء بصيغة الأمر التي تقضي الوجوب, والحتم. قلنا له: كذبت، التخصيص بعلم الصيغة لا يقتضي كونها أفعل حتمًا, ولا وجوبًا, ولا يكون من دليل آخر, فلا يتعلق بحبل مخدود, وما كفاه هذا الذي ألحقه بالعوام حتى دخل في جملة الأنعام ـ هذا كلام ابن العربي ـ, فقال: يعتبر رضا من يحال عليه، وهذا ما لا أثر فيه, ولا نظر, وقد كان هذا البائس مسبوقًا بإجماع القرون الثلاثة المختارة السابقة إلى الخيرات, فلا تعجب من ضلاله, وإنما أعجب من ضلال من تبعه, وغفر الله لمن تبع قوله, وذكره في كتب العلم, وتكلف الرَّد عليه بالقول، وإنما هو بوضع الرَّد بالفعل".
(1) الذخيرة للقرافي 7/ 422.
(2) معونة أولي القربى 4/ 426.
(3) الذخيرة 7/ 422.