وقوله عندما سئل: ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه؟ قال"يأكل، ولا يحمل. ويشرب ولا يحمل" [1]
وما قيل في الأكل من الثمار يقال أيضا في الشرب من لبن الماشية وأكل الزرع. لما روى أبوداود عن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحتلب وليشرب. وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا، فإن أجابه أحد فليستأذنه، فإن لم يجب أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل [2] . فإذا جاز لغير المضطر أن يحلب الشاة ويشرب من غير أن يحمل بدون إذن صاحبها، فمن باب أولى المضطر. والله أعلم."
هذا، وإنما جوز بعض الفقهاء الشبع والتزود من الميتة ولم يجوزوا الشبع والتزود من مال غيره؛ لأن مال غيره ممنوع منه لحق الله ولحق مالكه، فليس له أن يتزود منه، وأما الميتة فهي ممنوعة لحق الله وحده [3] . فلا مانع من التزود منها.
كما سبق بيانه أن الشارع يبيح للمضطر أن يأكل من طعام غيره للضرورة. لكن هل هذه الإباحة ترفع عنه ضمان قيمة ما أكل كما رفعت الإثم، أو ترفع فقط الإثم دون الضمان؟
فمن قال بأن الإباحة هنا ترفع حرمة مال غيره، فيصبح طعام غيره مباحا، ولا ضمان على أكل المباح. أما من قال بأن الإباحة هنا ترفع فقط الإثم، فيوجب على المضطر ضمان ما أكل.
فيخرج في المسألة القولان التاليان:
القول الأول: يجوز للمضطر أن يأكل من طعام غيره بدون إذنه ويغرم قيمة ما أكله إن كان متقوما، ومثله إن كان مثليا. لأنه قادر على
(1) المغني ج 9 ص 335 و الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى ج 9 ص 360. يقول الهيثمي: فيه الحجاج بن أرطأة، و هو ثقة لكنه مدلس، وفيه كلام. مجمع الزوائد ج 4 ص 162
(2) ينظر تفسير القرطبي ج 2 ص 226 - 227، حاشية الدسوقي ج 2 ص 116، الكافي لابن قدامة ج 1 ص 493، المحرر ج 2 ص 190، المبدع ج 9 ص 211، الفروع ج 6 ص 276، الروض المربع ج 3 ص 351 ...
و الحديث رواه الترمذي في السنن و قال: حسن غريب. ج 3 ص 590
(3) التاج و الإكليل ج 3 ص 234