هذا وقد كره كثير من الفقهاء بيع الطعام للمضطر إليه وأوجبوا التصدق عليه. وهوقول عند الشافعية [1] والحنابلة [2] . واستدلوا بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر [3] . ولأنه فضل طعام زائد عن حاجته [4] .
أما ابن حزم فقال بتحريم البيع - كما سبق - آخذًا بظاهر الحديث.
هذا، وبعد استعراض الأقوال السابقة، فيمكن القول باستحباب بذل الطعام مجانًا بلا عوض للمضطر. فالإسلام دين الرحمة والتعاون والمحبة ولا يليق بالمسلم أن يرى أخاه في الإنسانية يوشك على الموت جوعًا فيطالبه بثمن الطعام قبل أن يبذله له. فإذا كان الحيوان يجب حفظ حياته فمن باب أولى الإنسان.
ولما كان الإسلام دينًا متوازنًا وواقعياًّ، فإنه يراعي حق التملك عند صاحب الطعام. فلا يجبره على بذل طعامه مجانًا؛ فالمضطر لديه مال، إنما يجبره على إحياء مهجة المضطر بيعًا أوقرضًا. فالاجبار هنا ليس على التخلي عن ماله، إنما الاجبار على حفظ مهجة الآدمي. والله أعلم.
الفرع الخامس:
الحكم إن وجد المضطر طعام غيره وأبى صاحب الطعام بذله له مجانًا، أوبيعا، أوقرضا.
يقول النووي: إذا احتاج إلى ماء الطهارة دون العطش، ووجد الماء مع من لا يحتاج إليه فطلبه منه بيعًا أوهبة أوقرضًا، فامتنع من ذلك: لم يجز أن يقهره على أخذه بلا خلاف. بخلاف ما لواحتاج إليه لشدة العطش محتاج إليه فإنه يقهره على أخذه لحرمة الروح، ولأن لماء الطهارة بدلًا والروح لا بدل لها [5] . وكذلك قال الحنفية [6] . والله أعلم.
فعلى المضطر في هذه الحالة أن يأخذ الطعام من مالكه بالأسهل، أي بالسياسة واللين والإقناع. فإن أصر مالك الطعام على موقفه بالرفض، فعلى المضطر أن يأخذ منه الطعام بالتخفي، أوبالتخويف. فإن فشلت جميع الوسائل السلمية والأقل عنفا؛ فيجوز له حينئذ قتاله.
وهوالذي عليه الحنفية [7] والمالكية [8] وجمهور الشافعية [9] والحنابلة [10] .
هذا، ولا يأثم المضطر إن مات بترك قتال صاحب الطعام خوفًا من ظلمه بالتعدي عليه [11] . أما إن أراد قتاله فيجب أن يعلمه أنه سيقاتله، فلا يصح قتاله بغتة [12] .
الأدلة على جواز المقاتلة:
1 -يروي السرخسي أن قوما وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر، فأبوا. فسألوهم أن يعطوهم دلوًا، فأبوا أن
(1) ينظر إعانة الطالبين ج 2 ص 210
(2) الفروع ج 6 ص 275
(3) سنن البيهقي الكبرى ج 6 ص 17
(4) ينظر إعانة الطالبين ج 2 ص 210
(5) المجموع ج 2 ص 284
(6) ينظر حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح ج 1 ص 75، المبسوط للسرخسي ج 23 ص 166، البحر الرائق ج 1 ص 150، الدر المختار ج 1 ص 235، حاشية ابن عابدين ج 1 ص 236
(7) ينظر حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح، المبسوط للسرخسي ج 23 ص 166، البحر الرائق ج 1 ص 150، الدر المختار ج 1 ص 235، حاشية ابن عابدين ج 1 ص 23
(8) ينظر التمهيد ج 14 ص 210، تفسير القرطبي ج 2 ص 226، الفواكه الدواني ج 1 ص 387 و ج 2 ص 284، التاج و الإكليل ج 3 ص 234، الشرح الكبير ج 2 ص 116
(9) ينظر الوسيط 7 ص 170، المستصفى ج 1 ص 71، إعانة الطالبين ج 3 ص 369، الإقناع للشربيني ج 2 ص 544، التحفة ج 9 ص 393، روضة الطالبين ج 3 ص 285، فتح الوهاب ج 2 ص 337، مغني المحتاج ج 4 ص 309، حاشية البجيرمي ج 4 ص 309
(10) ينظر العمدة ج 1 ص 126، الكافي ج 1 ص 492، المغني ج 9 ص 335، المحرر ج 2 ص 190، الفروع ج 6 ص 275، المبدع ج 9 ص 208، فتاوى ابن تيمية في الفقه ج 29 ص 191، الإنصاف ج 10 ص 374، كشاف القناع ج 6 ص 198
(11) ينظر المبسوط للسرخسي ج 4 ص 139
(12) ينظر الفواكه الدواني ج 1 ص 387، التاج و الإكليل ج 3 ص 234، الشرح الكبير ج 2 ص 115