تفريط، و بلا تضخيم و لا تقزيم. و بذلك لا نظلم الرجل، و لا نحرمه حقه، و لا نتعصب له ولا عليه إلا بالحق، و لا نُدلّلَه و نبالغ في مدحه و الثناء عليه بما لا يستحقه.
و في ختام هذا الفصل-أي الرابع- أُؤكد على أمرين هامين جدا، أولهما هو أن ابن رشد أغفل الشرع إغفالا كبيرا، و قرر ما يُخالفه في موقفه من النفوس و العقول، و طبيعيات أرسطو. فحرم نفسه و قراءه و الفكر الفلسفي من كنوز الشرع و خصائصه، خاصة فيما يتعلق بالطبيعيات، فالشرع مملوء بها، فمنها ما يتعلق بأصل العالم و علم الفلك، و منها ما يخص الجيولوجيا و التاريخ الطبيعي للكون، و منها ما يتعلق بعلم الأجنة و البحار؛ و هذا المجال ألف فيه المختصون و غيرهم، مصنفات كثيرة جدا. لكننا لا نعني بذلك أن ابن رشد أغفل الشرع تماما، و إنما نعني أنه أغفله إغفالا كبيرا، و خالفه كثيرا، و لم يرجع إليه إلا قليلا، لأن مذهبيته الأرسطية كانت مُسيطرة عليه حالت دونه من الاستفادة الصحيحة و الكاملة من الشرع الحنيف، و لا من العقل الفطري الصريح.
و الأمر الثاني هو أن ابن رشد-بتبنيه لطبيعيات أرسطو و انتصاره لها- يكون قد ساهم بقوة في الترويج لأباطيلها و أخطائها الكثيرة باسم البرهان و اليقين و المنطق، على حساب المنهج العلمي الصحيح، و الحقيقة العلمية التي يشهد لها الشرع الحكيم و العقل الصريح. فكان من آثار ذلك أنه ساهم في تكريس طبيعيات أرسطو و هيمنتها على العقل الإنساني قرونا عديدة، لم يتخلص منها إلا في العصر الحديث، فكان ضررها أكثر من نفعها بفارق كبير جدا.