و رابعا إن طائفة من أخطائه كان في مقدوره تجنّبها و مخالفة أرسطو فيها، لو التزم بما قاله الشرع الحكيم من دون أي تحريف له. فيكون له بذلك شرف الاجتهاد، و إتباع الشرع، و قول الصواب. لكنه لم يفعل ذلك، و خالف الشرع، و أخطأ فيما قال به. من ذلك إنه قال بأزلية العالم و أبديته، و اختلاف مادة الأجرام السماوية عن مادة العالم الأرضي. و قال: إن الشمس ليست ساخنة بذاتها، و أن الأرض لا تتحرك، و أن المرأة لا دخل لها في تكوّن نوع الجنين. فهذه الأقاويل أخطأ فيها ابن رشد، و خالف فيها الشرع مخالفة واضحة. فلو أخذ بالشرع ما وقع في تلك الأخطاء، التي جاء العلم الحديث و أثبت خطأها من جهة، و و وافق الشرع من جهة أخرى. فهو- بموقفه هذا من الشرع- غير معذور، و مسؤول مسؤولية كبيرة شرعا و عقلا.
و خامسا إنه من المغالطة القول بأن نقد أي فكر يجب أن يكون بمقياس عصره فقط. فهذا زعم باطل، و الصواب هو أن ننقد أي فكر كان بالاحتكام إلى الحقيقة وحدها، من دون حصر لها بزمان و لا بمكان، و الشرط الوحيد فيها هو أن نحتكم إلى الحقائق لا إلى الظنون و التخمينات و الاحتمالات، على أن نأخذ تلك الحقائق من النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح. و عليه فإنه من حقنا أن ننقد أي فكر -قديما كان أو حديثا - بالاحتكام إلى تلك المصادر المعرفية التي منها العلم الحديث. و ابن رشد نفسه كان -في انتصاره للأرسطية- يحتكم إلى علم عصره [1] ، فمن حقنا نحن أيضا أن ننقده بالاحتكام إلى علوم عصرنا. علما بأن ابن رشد لم يكن يحتكم في كل مواقفه إلى علوم عصره، و إنما كان يحتكم أساسا إلى الفلسفة الأرسطية، فما وافقها قبله، و ما خالفها رفضه، و ما عارضها من الشرع حرّفه أو أغفله و سكت عنه.
و سادسا إنه من حقنا أن نتشدد في انتقادنا لابن رشد، و محاسبته حسابا عسيرا، لأنه كان كثير الدعاوى و التعالم، و المبالغات و الاعتداد بالنفس، و التعالي على أهل العلم من غير الفلاسفة، و ألحقهم بالجمهور و أهل الجدل. و جعل نفسه و أصحابه المشائين، من أهل البرهان و اليقين خصهم الله بالرسوخ في العلم. لذا وجدناه يصدر أحكاما كثيرة يزعم أنها صحيحة بالضرورة و الوجوب، و هي في الحقيقة ما هي إلا ظنون و تخمينات و احتمالات مُخالفة للشرع و العقل و العلم. فرجل هذا حاله لا يصح السكوت عنه، و مسايرته في دعاويه العريضة، و الاعتذار له و تدليله.
علما بأن المبالغة في الاعتذار لابن رشد و تدليله، و السكوت عن أخطائه و تبريرها، و عدم لومه و تحميله مسؤولية ما قام به، هو في الحقيقة جريمة في حق الشرع، و العقل، و العلم، لا يصح السكوت عنها أبدا. فلابد من عرض فكره على ميزان النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، لتمييز صحيحه من سقيمه، ليأخذ صاحبه مكانه الحقيقي المناسب له، بلا إفراط و لا
(1) أنظر مثلا: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 128، 130.