و تعقيبا عليهم أقول: نعم إن له بعض العذر فيما وقع فيه من أخطاء تتعلق بطبيعيات أرسطو، لكنه يبقى مسؤولا مسؤولية كبيرة عن أخطائه من جهة، و تُقلل من شأنه كثيرا من جهة أخرى. لأنه أولا: لم يلتزم - في موقفه من فلسفة أرسطو- بالمنهج العلمي الصحيح الذي يقوم أساسا على النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، فلو اعتمد على ذلك ما كانت أكثر أرائه في الطبيعيات خاطئة؛ لأن كثرة الأخطاء و قلة الصواب هو مؤشر صحيح على انحراف منهجه العلمي. و مما يعني أن ابن رشد أقام منهجه العلمي على الظنون و التخمينات، و الأهواء و الاحتمالات، أكثر من إقامته على الأدلة القوية، و البراهين الدامغة، و البينات الملموسة الواضحة. و هذه خلاف ما كان يدعيه من أنه و أصحابه هم أهل البرهان و اليقين، و غيرهم من أهل من الجمهور و أهل الجدل. فلو كان حقا كما زعم ما كانت معظم فلسفته الطبيعية غير صحيحة.
و ثانيا إن طائفة من أخطائه العلمية سببها مبالغته في تعظيم فلسفة أرسطو تعصبه لها، و الانتصار لها بحق و بغير حق، و الزعم بأن نظره -أي أرسطو- هو فوق نظر جميع الناس. فأوقعه هذا في أخطاء فاحشة كان في مقدوره تجنبها لو نظر إليها نظرة علمية موضوعية من كل جوانبها، دون خلفية أرسطية متعصبة. من ذلك متباعته لأرسطو في قوله بأزليته العالم و أبديته، و زعمه بأن الدماغ لا دخل له في التعقّل، و قوله بأن المرأة لا دخل لها في نوع الجنين [1] . فلو احتكم في هذه القضايا - و غيرها- إلى الشرع الحكيم، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، و تجاوز أرسطو و لم يتعصب له، ما وقع في تلك الأخطاء، و غيرها كثير.
و ثالثا إن قسما من أخطاء ابن رشد في الطبيعيات كان من الممكن التحقق من خطئها في زمانه من دون الاستعانة بمكتشفات العلم الحديث، لذا فلا يصح تعميم ما قاله عاطف العراقي من أنه لا يصح أن نتوقع من مفكر عاش في القرن 12 م، أن يتوصل إلى نتائج العلم في القرن العشرين. فهذا التعميم على كل أخطاء ابن رشد في الطبيعيات هو مغالطة و تدليس. و الدليل على ذلك أنه كان في مقدور ابن رشد أن يصل إلى أدلة قوية تُبطل مزاعم أرسطو في أن الدماغ لا دخل له في عملية التعقل. و قد خالفه في ذلك أطباء مُتخصصون، و قد ردوا عليه بأدلة قوية [2] .و منها أيضا قوله في سقوط الأجسام، فكان في مقدور ابن رشد التحقق من ذلك، بدليل أن بعض علماء المسلمين أثبتوا بالتجربة خطأ أرسطو، ثم جاء غاليلو و أثبت ذلك بالتجربة في القرن 17 م، و هذا كله قبل مكتشفات العلم الحديث، لأن تلك التجارب ما كانت تحتاج إلى وسائل العلم الحديثة المتطوّرة. لكن ابن رشد ما استخدم التجربة، و ما أخذ بتجربة من سبقه، و اكتفى بمتابعته لسلفه أرسطو.
(1) سبق توثيق ذلك، و أما بالنسبة لدور الدماغ فسنتكلم عنه في الفصل الخامس إن شاء الله تعالى.
(2) عن ذلك أنظر الفصل الخامس.