فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 232

و أما الشاهد الرابع، فمفاده أن ابن رشد ذكر أن سبب الزلازل معروف، و هو البخار الدخاني الحار الذي يبقى في باطن الأرض، فالذي يخرج منه يُسبب الرياح، و الذي يبقى في باطن الأرض يُسبب الزلازل. لذا فإنه باضطرار لا (( يكون سبب الزلزلة سواه ) ) [1] .

و تفسيره هذا غير صحيح -رغم تأكيده على صحته-، لأن الزلازل لها أسباب كثيرة، منها: حدوث إنكسارات وتصدعات في بعض أجزاء القشرة الأرضية. و وقوع إنزلاقات الصخور بعضها فوق بعض. و حدوث ثورات البراكين، و انهيار سقوف الكهوف الباطنية [2] .

و آخرها-أي الشاهد الخامس من المجموعة الرابعة- مفاده أن ابن رشد قال: (( و الدم حتى يتغير في اللحم لحما، و في العظم عظما ) ) [3] . و قوله هذا غير علمي، و لا يصح بذلك اللفظ، لأن الدم لا يتحوّل لجما و لا عظما، و إنما هو يُغذي الجسم و يُنقيه و يُدافع عنه، فيُدخل الأكسجين إلى الجسم، و يُخرج ثاني أُكسيد الكربون عن طريق الرئتين. و يُغذي الجسم بامتصاص الغذاء من جدار الأمعاء، و يتولى محاربة الجراثيم بكرياته البيضاء [4] .

كانت تلك الشواهد -حسب مجموعاتها الأربع- نماذج متنوعة من مواقف ابن رشد من طبيعيات أرسطو، و الانتقادات الموجهة إليه فيما قاله فيها، و لمبالغته في تعظيمها و ثقته فيها، و الانتصار لها. فما رأي الباحثين المعاصرين من الطبيعيات التي انتصر لها ابن رشد؟،و هل ظلمناه في انتقاداتنا له بمعطيات الشرع و العلم الحديث؟.

أذكر منهم ثلاثة باحثين، أولهم محمد عاطف العراقي، ذكر أنه (( إذا كان العلم الحديث لا يُوافق على أكثر الأراء التي قال بها ابن رشد، فإن هذا لا يُقلل من شأنه. إذ أن العلم تراكمات، و لا يصح أن نتوقع من مفكر عاش في القرن الثاني عشر الميلادي أن يتوصل إلى نتائج العلم في القرن العشرين ) ) [5] .

و ثانيهم الباحثة زينب عفيفي، إنها ذكرت أن أكثر أراء ابن رشد في مجال الطبيعة، و العناصر الأربعة، و المادة و الحركة، و الفلك و الحيوان، قد (( دحضها العلم الحديث بتقنياته و أساليبه ... لكن متى كانت مُكونات التراث و الحضارة تُقاس بمقياس الحداثة و التطور؟. إنها تُقاس بمعيار زمانها، و وقت حدوثها، و لذلك كانت قيمتها خالدة خلود فكر أصحابها ) ) [6] .

و آخرهم- أي الثالث - هو الباحث محمد عابد الجابري، إنه ذكر أن ابن رشد -في اجتهاده الفلسفي- كان يعتمد على العلم، و هو علم عصره بالطبع [7] .

(1) ابن رشد: الآثار العلوية، ص: 43.

(2) الموسوعة العربية الميسرة، ج 1 ص: 925.

(3) ابن رشد: جوامع الكون و الفساد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1991 ص: 10.

(4) الموسوعة العربية الميسرة، ج 1 ص: 801، ج 2 ص: 1898.

(5) زينب عفيفي: فلسفة ابن رشد الطبيعية، تصدير محمد عاطف العراقي، ص: 16.

(6) نفس المرجع، ص: 20.

(7) الجابري: ابن رشد، ص: 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت