كل مخلوق بالضرورة له زمان، مهما كانت سرعته عالية أو منخفضة. لذا فمن المعروف في علم الفيزياء الحديثة، أن الضوء نوع من أنواع الطاقة، له سُرعة تختلف باختلاف الوسط الذي يكون فيه، و تُقدر سرعته ب: 300 ألف /كم في الثانية [1] .
و الشاهد الثالث مفاده أن ابن رشد يرى أن (( الحجر يتحرك إلى أسفل بصفة فيه مخلوقة، و النار إلى فوق، و الصفتان متضادتان. فأمر معروف بنفسه، و المكابرة في ذلك قحة ) ) [2] .و يرى أيضا-موافقا لأرسطو- أن الثقل هو المتحكم في حركة الأجسام صعودا و هبوطا. و بمعنى آخر أن سرعة سقوط الأجسام تتناسب مع أوزانها، فالجسم الثقيل أسرع في السقوط من الجسم الأخف منه [3] .
و قوله هذا غير صحيح، أثبت التجارب بطلانه، فبالنسبة لقوله بأن الحجر يتحرك إلى أسفل لصفة مخلوقة فيه، فهو تفسير غير مقبول علميا، لأن السبب في ذلك هو قوة الجاذبية التي تُعرف بقانون الجاذبية العام [4] .
و أما موقفه من سرعة سقوط الأجسام، فهو تابع فيه لأرسطو، مع أن بعض علماء المسلمين -خلال العصر الإسلامي- أثبتوا بالتجربة خطأ رأي أرسطو و أصحابه، و برّهنوا أن تسارع الجسمين يختلف باختلاف الكثافة، و ليس باختلاف الوزن )) . فكان لهم الفضل في إثبات ذلك قبل الفيزيائي الإيطالي غاليلو (ت 1642 م) بثمانية قرون أو أكثر. لكن الأوروبيين ظلوا يعتقدون بما قاله أرسطو إلى أن جاء غاليلو و أثبت بالتجارب خطأ رأي أرسطو، و بيّن أن الأجسام الثقيلة و الخفيفة تسقط بسرعة واحدة دون اعتبار لكتلتها، إذا اُستبعدت مقاومة الهواء لها [5] .
و بناء على ما ذكره الباحث عمر فروخ من أن المسلمين أثبتوا بالتجربة خطأ أرسطو قبل غاليلو المُتوفى سنة 1642 م/1052 هجرية، بثمانية قرون أو أكثر [6] ،و ابن رشد المُتوفى سنة 595 ه/1198 م، يكون المسلمون قد أثبتوا ذلك قبل وفاة ابن رشد بأكثر من 330 سنة. مما يعني أن ابن رشد كان على علم بتلك التجارب التي أبطلت ما قال به أرسطو، لكنه أهملها و ظل مُتمسكا برأي سلفه أرسطو تعصبا له!!. اللهم إلا أن يُقال: إنه لم يكن على علم بتلك التجارب. و هذا مُستبعد جدا جدا، بحكم أن ابن رشد كان واسع الإطلاع على طبيعيات عصره عامة و الأرسطية خاصة، بدليل كثرة مؤلفاته الفلسفية، و الله اعلم بالصواب.
(1) الموسوعة العربية الميسرة، ج 2 ص: 1144.
(2) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 305.
(3) زينب عفيفي: فلسفة ابن رشد الطبيعية، ص: 53 و ما بعدها. و عبد الله الدفاع: العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية، دار الرسالة، بيروت، ص: 68.
(4) عبد الحميد سماحة: في أعماق الفضاء، ص: 36.
(5) عمر فروخ: عبقرية العرب في العلم و الفلسفة، المكتبة العصرية، بيروت، ص: 94. و زينب عفيفي: المرجع السابق، ص: 53 و ما بعدها.
(6) عمر فروخ: نفسه، ص: 94.