فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 232

تخف حرارته و يبرد نسبيا، فيحدث فيه (( ميل إلى أسفل، فيتمانع المبدآن المتضادان بجهة. أعني: الثقل و الخفة، فيلزم ضرورة أن تتحرك من ذلك حركة مُستديرة ... ) ) [1] .

و تفسيره هذا غير صحيح، لأن استدارة الرياح حول الأرض سببها أمران: أولهما تحكم قاعدة الضغط المرتفع و المنخفض في حركة الرياح حول الأرض. و هذه القاعدة هي التي تتحكم في حركة الرياح الأفقية السفلية السطحية المعروفة لدينا التي تكلم عنها ابن رشد، فهذه الرياح سطحية أفقية و ليست رأسية عمودية كما ادعى ابن رشد. و عليه فهي لا تخضع للكيفية التي ذكرها ابن رشد، مع العلم أن الرياح هي هواء مُكوّن من عدة غازات، و ليست من البخار الدخاني الساخن الصادر من باطن الأرض كما ادعى ابن رشد، و قد سبق انتقادنا له في ذلك.

علما بأنه توجد رياح رأسية الحركة تصعد من سطح الأرض إلى الأعلى حيث طبقات الجو العليا بناء على قاعدة الضغط المرتفع و المنخفض. و في هذه الطبقة -أي العليا- توجد أيضا حركية رياح أفقية أخرى للهواء تُشبه ما يحدث على سطح الأرض [2] . و بذلك يتبين أن -على كل الحالات- أن عملية حركة الرياح الأفقية السطحية، و الأفقية العلوية، و الرأسية التصاعدية، لا تتم بالطريقة التي ذكرها ابن رشد و لا بالتفسير الذي قدمه.

و الأمر الثاني واضح معروف، و هو أن الأرض و غلافها الغازي و ما يجري بداخله من حركات للرياح، كل ذلك يتحرك تحركا مستديرا بحكم أن الأرض تدور حول نفسها يوميا، و حول الشمس سنويا، فمن الطبيعي جدا أن تكون للرياح حركة مستديرة حول الأرض.

و الشاهد الرابع مفاده أن ابن رشد أرجع سبب انتظام هبوب الرياح القطبية الشمالية، و القطبية الجنوبية -من حيث أوقاتها و اتجاهاتها- إلى حركة الشمس بين مداريها الصيفي و الشتوي [3] .و تفسيره غير صحيح، لأن هذه الرياح هي من الرياح الدائمة التي يتأثر هبوبها بالنطاقات الحرارية، و مناطق الضغط الجوي، و كل منها مرتبط بحرارة الشمس، التي هي أيضا مرتبطة بدوران الأرض حول الشمس، و ميل محورها. و مثال ذلك أنه عندما يكون الصيف في القسم الشمالي من الكرة الأرضية، تصبح المنطقة جاذبة للرياح القطبية الجنوبية حيث الضغط المرتفع إلى الضغط المنخفض في الشمال، و يحدث العكس عندما يكون الصيف في القسم الجنوبي من الكرة الأرضية. فذلك هو سبب و كيفية انتظام الرياح القطبية، و ليس ما قاله ابن رشد موافقا لما ذهب إليه أرسطو.

و الشاهد الأخير - و هو الخامس من المجموعة الثالثة- فمفاده أن ابن رشد أكد على أن سبب حدوث الرعد هو أنه لما يتكاثف السحاب يكون البخار الدخاني في عمق ذلك السحاب، فيخرج منه بشدة و حرارة، فيندفع على أسفل، أو إلى فوق، أو إلى أحد الجوانب حتى يُسمع له صوت ... فبالضرورة لا يكون سبب الرعد إلا ذلك [4] .

و قوله هذا فيه صواب و خطأ، فأما الصواب فهو أنه قد أشار إلى التقاء شحنتين مختلفتين في الخواص، واحدة باردة و الأخرى حارة. و أما الخطأ فهو قوله بأن الشحنة الساخنة هي من البخار الدخاني الصاعد من باطن الأرض. و هذا غر صحيح، لأن كلا من الشحنتين السالبة و الموجبة هما من الهواء نفسه، و إنما يختلفان في درجة الحرارة و التحمل ببخار الماء، و لا دخل للبخار الدخاني أصلا [5] .

و أما المجموعة الأخيرة - و هي الرابعة-، فتتعلق بمواضيع متنوعة، و تضم خمسة شواهد: الأول مفاده أن ابن رشد يرى أن أهم أسباب ملوحة البحر هو الجزء الدخاني المُحترق من البخار، و (( يشبه أن يكون السبب في تزايد بعض البحار على بعض في الملوحة قرب الأرض من الاحتراق، و الاستعداد ليتولد عنها ذلك البخار الدخاني أكثر، أو يكون من اجتماع السببين كليهما ) )،و من (( الدليل على أن الأجزاء المحترقة التي تُملّح ماء البحر هوائية على الأكثر لا أرضية، الصفاء الموجود في مائه، فإن الأجزاء الأرضية مُكدّرة ضرورة ) ) [6] .

و تفسيره هذا غير صحيح علميا، و لا دخل للبخار الدخاني المزعوم في ملوحة البحار من عدمها. لأن سبب ملوحتها هو وجود كلوريد الصوديوم، و كربونات الكالسيوم، و بعض الأملاح الأخرى. و أما مصادر هذا الأملاح -التي في البحار و المحيطات- فأهمها أربعة: أولها يتمثل فيما تجلبه الأنهار من أملاح و معادن و مواد عضوية إلى البحار. و الثاني هو عملية التبخر التي تحدث لماه البحار بسبب حرارة الشمس، فيصعد البخار إلى أعلى، و يبقى الملح في البحار. و ثالثها هو تحلل الكائنات العضوية النباتية و الحيوانية الميتة التي تعيش في البحار. و آخرها-أي المصدر الرابع- فيتمثل في أملاح النشأة الأولى عند تكوّنت البحار. و ذلك أن القشرة الأرضية عندما كانت مُنصهرة، و تفاعلت مع الأمطار المتهاطلة-عبر عصور الأرض الأولى- كانت الحياة-مع ارتفاع درجة الحرارة- أكثر قابلية لإذابة الأملاح، و تنشيط التفاعلات الكيميائية، فكانت مياه البحار مُشبعة بالأملاح عند النشأة الأولى [7] .

و الشاهد الثاني مفاده أن ابن رشد ادعى أن الضوء يحدث في غير زمان، و أن الإضاءة ليست حاصلة في زمان [8] . و قوله هذا غير صحيح، و هو خطأ فيزيائي واضح، لأن الضوء مخلوق، و

(1) ابن رشد: الآثار العلوية، ص: 34.

(2) حسن أبو العينين: المرجع السابق، ص: 158، 159.

(3) ابن رشد: الآثار العلوية، ص: 35.

(4) نفس المصدر، ص: 295.

(5) حسن أبو العينين: أصول الجغرافية المناخية، ص: 295.

(6) ابن رشد: الآثار العلوية، ص: 30، 31.

(7) حسن أبو العينين: جغرافية البحار و المحيطات، ط 6، مؤسسة الثقافة الجامعية، مصر، 1982، ص: 165، 168. و جمال الدين أفندي: طبيعيات البحر و ظواهره، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1960، ص: 50، 51، 52، 53.

(8) ابن رشد: رسالة النفس، ص: 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت