تلك هي بعض مزاعم ابن رشد في دعوى برهانية الفلسفة المشائية عامة، و الأرسطية خاصة. و ردا عليه أقول: أولا إن من أقوال ابن رشد شواهد كثيرة تنقض مزاعمه ببرهانية تلك الفلسفة و يقينيتها، و تُثبتُ أن منها قسما كبيرا جدا، لا يمتُ إلى البرهان و اليقين بصلة، و ما هو إلا ظنون و تخمينات و احتمالات، و بعضها يندرج في الخرافات و الأساطير، و ليس هو من العلم في شيء. علما بأن كل انتقاداتنا السابقة لفكره هي أدلة دامغة على بطلان دعوى برهانية تلك الفلسفة.
و أما الشواهد التي أشرنا إليها، فمنها أن ابن رشد زعم أن العقول المفارقة (( حية مُلتذة و مغبوطة بذاتها، و أن الأول فيها- أي الله - هو الحي الذي لا حياة أتم من حياته، و لا لذة أعظم من لذته. و ذلك أنه المغبوط بذاته فقط، و غيره إنما حصلت له الغبطة و السرور به ... فإن كل واحد منها-أي العقول المفارقة- ما عدا الأول مُلتذ بذاته فقط و المغبوط بها. و لأن إدراكه أشرف الإدراكات فلذته أعظم اللذات، و هو إن اشترك مع سائرها في كونها مُلتذة دائما، فلذتها تلك إنما صار لها الدوام به، و لذته هو بذاته. و كذلك أيضا سائر المعاني المشتركة، إنما هي له بذاته و لها به ) ) [1] .
و كلامه هذا لا برهان له فيه و لا يقين أبدا، لأنه تكلم في موضوع لا يُمكنه إدراكه و لا معرفته بعقله، و لا بعلمه، و لا بحواسه، إلا بالشرع، و بما أن الشرع لم يذكر ذلك، و لا هو احتج به بطريقته التحريفية، فإن تلك المزاعم هي مزاعم باطلة مردودة عليه جملة و تفصيلا، و ما هي إلا تخمينات و ظنون، و أهواء و هذيانات، لم يحترم فيها الشرع، و لا العقل، و لا العلم، و لا القراء. و بما أن الحكم على الشيء جزء من تصوّره، و ابن رشد خاض في موضوع لا يُمكنه تصوّره على الحقيقة أبدا، يكون هو قد حكم على شيء من دون برهان و لا دليل و لا يقين. فأين برهانية تلك الفلسفة المزعومة؟!.
و الشاهد الثاني مفاده أن ابن رشد قال: إن الفلاسفة قام عندهم الدليل-بعد البحث و الفحص- أن المادة المكوّنة منها الأجرام السماوية تختلف عن مادة الموجودات الأرضية الفاسدة [2] . و قوله هذا ظن و تخمين لا دليل صحيح عليه و لا برهان، و هو باطل شرعا و علما، و قد سبق أن بينا أن العالم بأسره مخلوق من مادة واحدة.
و أما قوله بأن هؤلاء الفلاسفة بنوا رأيهم على دليل صحّ عندهم بعد البحث و الفحص، فهو ليس دليلا صحيحا، و إنما رأي بنوه على مقدمات ظنية احتمالية، ليس لهم فيه دليل صحيح من العقل، و لا من الشرع، و لا من العلم. و لو عاد ابن رشد إلى الشرع لعلم يقينا بطلان ما حكاه عن هؤلاء، لأن الشرع نصّ صراحة على أن العالم بأسره خلقه الله تعالى من مادة واحدة، في قوله
(1) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 147 - 148.
(2) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 160، 161.