سبحانه: (( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) )-سورة الأنبياء: 30 - فأين حكاية البرهان و اليقين المزعومان؟.
و الشاهد الثالث مفاده أن ابن رشد قال بوجود العقول المفارقة على طريقة المشائين، فهي عقول حية أزلية خالدة أبدية ذات طبيعة إلهية، تتصرف في العالم إيجادا و تسييرا و إعداما [1] . و قوله هذا هو ترديد لمزاعم أرسطو و أصحابه، لا دليل له عليه من الشرع، و لا من العقل، و لا من العلم، و هو يندرج في الأوهام و الظنون و الأساطير، و لا يمتُ إلى البرهان و اليقين بصلة أصلا، و لا هو من الموضوعية و العلم في شيء. و من يقول بذلك فيكون قد داس على العقل، و ارتمى في أحضان الظنون و الأساطير، و الرجم بالغيب، و القول على الله بلا علم، و يكون من بين الذين وصفهم الله تعالى بأنهم (( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ) )-سورة النجم: 23 - ، فلا برهان و لا يقين، و إنما هي أهواء و ظنون!!.
و الشاهد الرابع مفاده أن ابن رشد قال بوجوب دوام الفاعلية في أفعال الله تعالى، المعروفة بحوادث لا أول لها، بدعوى أنه بما أن الله أزلي لا ابتداء له و لا انتهاء، وجب أن تكون أفعاله لا ابتداء لها أيضا، و من ثم فالعالم أزلي [2] . و قوله هذا هو مجرد احتمال ممكن يتعلق بأفعال الله تعالى، لا يصح التأكيد على وجوبه و لزومه، لأن التأكيد على ذلك هو رجم بالغيب، و قول على الله بلا علم. لأن الله بما أنه حي لا يموت، و فعال لما يريد، و خالق كل شيء، و يخلق ما يشاء و يختار، فهو سبحانه لا يجب عليه شيء، و لا يستطيع إي إنسان أن يزعم بأن أفعال الله خاضعة لدوام الفاعلية من عدمها. و عليه فإن هذا الأمر لا يمكن التأكد منه و الجزم به، إلا عن طريق الوحي فقط، و بما أن ابن رشد و أصحابه قالوا بوجوب دوام الفاعلية و لزومها لأفعال الله تعالى من دون دليل شرعي، فهو زعم باطل، و قول على الله بلا علم، و رجم بالغيب، لا دليل عل إثباته من الشرع و لا من العقل، لأنه ليس في إمكان العقل الجزم بذلك. و إنما هو في مقدوره-أي العقل- أن يفرض جملة احتمالات نظرية لا تثبت إلا بدليل شرعي. و هذا أمر سبق أن ناقشناه و فصلناه في الفصل الثاني و بينا بطلان رأي ابن رشد و أصحابه. فأين البرهان و اليقين المزعومان؟.
و الشاهد الخامس مفاده أن ابن رشد زعم انه تبيّن أن الأجرام السماوية لا ثقيلة و لا خفيفة [3] . و قوله هذا سبق إبطاله في الفصل الرابع، مما يعني أنه زعم لم يقم على برهان و لا دليل صحيح، و إنما أقامه على مقدمات نظرية ظنية احتمالية، ادعى من خلالها أنه تبيّن منها ما زعمه. فشتان بين البرهان و الظن، و بين الحقيقة و الوهم، فالرجل أقام زعمه على الظن و الوهم لا على البرهان و اليقين.
(1) سبق توثيق ذلك مرارا.
(2) سبق الرد عليه في الفصل الثاني.
(3) ابن رشد: تلخيص السماء و العالم، ص: 84.