فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 232

و الشاهد السادس مفاده أن ابن رشد عندما أنكر أن تكون المذنبات و الشهب من الأجرام السماوية، و أرجع أصلها إلى بعض العناصر الأرضية الأربعة المعروفة، قال: (( فليس لقائل أن يقول: إنها أحد الكواكب الثابتة و السيارة، لأن الكواكب التي شُوهدت في قديم الدهر هي بأعيانها الكواكب الموجودة إلى الآن، لم ينخرم منها شيء ) ) [1] .

و قوله هذا غير صحيح علميا، و قد سبق بيانه في الفصل الرابع، لكن الذي يهمنا هنا هو طريقة استدلاله على ما قاله. فهو هنا لم يعتمد على دليل صحيح، ولا على برهان أقامه على دليل محسوس، و إنما علله برأي ظني ضعيف جدا، و لم يكن الإنسان- في زمانه- يستطيع التأكد من أن الأجرام السماوية لم تفقد من مكوناتها شيئا طول عمرها المديد. و من ثم لا يصح القطع بما زعمه ابن رشد بأن تلك الأجرام لم تفقد شيئا من مكوناتها. و إذا كان الإنسان بحواسه المجردة لا يستطيع أن يحس و يشعر بالتناقص الذي يحدث في المعادن الثمينة التي يستعملها، فأنى له أن يُدرك ما يحدث في الأجرام السماوية من تناقص أو عدمه، أو يزعم بأنه لم ينخرم منها شيء على حد زعم ابن رشد!. فالرأي الذي قال به ابن رشد ليس برهانا و لا يقينا، و إنما هو ظن و تخمين و احتمال، ثبُت بطلانه علميا في العصر الحديث.

و الشاهد السابع مفاده أن ابن رشد قال بأزلية العالم و أبديته موافقة لأرسطو و أصحابه، حتى أنه قال: (( إنه قد تبيّن من الأقاويل السالفة كلها أن السماء ليست بكائنة-أي مخلوقة- و لا فاسدة، و لا يمكن أن تفسد كما قال قوم، لكنها دائمة لا مبدأ لها زمانيا و لا مُنتهى، بل هي علة الزمان و المحيطة به ) ). و قال أيضا: (( و تبيّن مما ذكرناه من المقاييس و البراهين على أنها -أي السماء- غير كائنة-أي غير مخلوقة- و لا فاسدة، و لا قابلة للانفعال و الاستحالة -أي التحوّل-، إنه لا يُلحقها في الحركة المحسوسة لها نصب و لا تعب، من أجل أنه ليس فيها مبدأ حركة مُخالفة للحركة الطبيعية التي فيها ) ) [2] .

و قوله هذا غير صحيح، و باطل شرعا و علما، و قد سبق إبطاله في الفصلين الثاني و الرابع. لكن الذي يهمنا هنا هو طريقته غير العلمية في الاستدلال، أنه أصدر حكما قطعيا زعم فيه أنه برهن عليه، و أقام الدليل القطعي على صحته. و هذا ليس من الموضوعية، و لا من العلم في شيء، و لا يمتُ إلى البرهان العلمي بصلة، لأنه تكلّم في أمر غيبي لا يمكنه إدراكه، و لم يُقم عليه دليلا صحيحا و لا برهانا قطعيا، و إنما اعتمد الظن و التخمين انطلاقا من خلفيته الأرسطية التي كانت توجهه، حتى أن سمح لنفسه باتخاذ موقف مُخالف للشرع من دون دليل قطعي من العقل و لا من العلم. فتحوّل الظن عنده برهانا قطعيا، و أصبح هو من الذين قال الله تعالى فيهم: (( إِن يَتَّبِعُونَ

(1) ابن رشد: الآثار العلوية، ص: 18.

(2) ابن رشد: تلخيص السماء و العالم، ص: 188، 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت