فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 232

إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى )) -سورة النجم: 23 - . إنه لم يحترم الشرع و لا العقل و لا العلم، فأين البرهان المزعوم؟!.

و الشاهد الثامن مفاده أن ابن رشد كانت له مواقف أكد على صحتها و قيام الدليل على صدقها من دون دليل صحيح، و لا برهان قطعي. فمن ذلك أنه ذكر أن أرسطو أثبت أن الأرض ثابتة لا تتحرك، و أبطل رأي القائلين بحركتها، و بيّن أنها ساكنة بالطبع في الوسط. و بذلك حلّ الشك الذي حيّر القدماء، و أفنوا أعمارهم في طلبه [1] .

و قوله هذا غير صحيح، و قد سبق إبطاله في الفصل الرابع، لكن الذي يهمنا هنا هو أن الرجل لم يكن علميا في طريقته الاستدلالية، لأنه أكد على ما ذهب إليه من دون برهان قطعي، و إنما اعتمد على الظن و التخمين و الترجيح، و النظرة السطحية الظاهرية لحركة الشمس، و أغفل النصوص الشرعية التي تُشير إلى حركة الأرض من جهة، و أهمل آراء القائلين بحركة الأرض من جهة ثانية، و افتخر بما قاله سلفه أرسطو من جهة ثالثة، و زعم أنه حلّ الشك الذي حيّر القدماء. لكن رأيه هذا غير صحيح، فنحن نعلم أن الأرض متحركة بدليل الشرع و العقل و العلم، فأين الأدلة الصحيحة التي أقامها أرسطو على صحة رأيه؟،و أين دعوى برهانية الفلسفة الأرسطية؟.

و أما الشاهد الأخير - و هو السابع- فمفاده أن لابن رشد أقوالا و مواقف فلسفية استخدم فيها الظن و الترجيح و الاحتمال، و هذا ينقض عليه زعمه دعوى برهانية الفلسفة الأرسطية المشائية التي يُؤمن بها. فمن ذلك قوله: إن القلاسفة يزعمون كذا و كذا. و يظهر أنه ليس جسما محمولا و لا حاملا. و لعله ينفع إذا كان عسر الولادة. و يشبه أن تكون لعلة في لونها. و هذا أحد ما يمكن أن يُظن به أنه سبب حركة هذا الجرم. و (( مثال ما ذُكر أن في بعض بلاد الروم ثَمّ نهرين مُتقابلين، إذا شربت الغنم من أحدهما ولدت خرافا بيضاء، و إذا شربت من الآخر ولدت حرافا سود ) ) [2] . فهذا الرجل أمره غريب، إنه ذكر هذه الخرافة بعبارة (( ما ذُكر ) )، من دون أي إنكار واضح صريح لها، و لا تعقيب عليها، و كأنه يميل إلى تصديقها أو الاستئناس بها. فأين حكاية اليقين المزعوم؟!.

و ثانيا إن في أقوال أرسطو و مواقفه الفلسفية شواهد كثيرة تنقض دعوى ابن رشد برهانية الفلسفة الأرسطية و يقينيتها. فمن تلك الشواهد أن لأرسطو أقوالا لم يقطع فيها بحكم و لا بتقرير و لا برأي، استخدم فيها عبارات لا تفيد يقينا و لا برهانا قطعيا، و إنما تُفيد الظن و التخمين، و الترجيح و الاحتمال. كقوله: (( إننا نظن أننا نتحدث عن جواهر الأشياء المحسوسة ... غير أن تفسيرنا للطريقة التي بها تكون جواهر للأشياء المحسوسة هو كلام فارغ ... ) )، و قوله: (( في حين

(1) ابن رشد: تلخيص السماء و العالم، ص: 268.

(2) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 69، 102، 147. و تلخيص السماء و العالم، ص: 189، 190. و رسائل ابن رشد الطبية، ص: 366، 409. و الآثار العلوية، ص: 21. و تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت