أن الفلسفة تزعم أنها معرفة )) ، و (( أما النار فيشبه أن تكون في موضعها ... ) )،و (( إننا لم نتثبت من الوقائع بما فيه الكفاية ) ) [1] .
و الشاهد الثاني مفاده أن أرسطو زعم أن الله معشوق للعقول المفارقة، و هي عاشقة له، و العشق علة الحركة في العالم بأسره، فالله ليس علة فاعلة له، و إنما هو معشوق للعقول المفارقة التي حرّكها العشق [2] . و قوله هذا زعم باطل، ليس له فيه دليل و لا برهان، إلا الظن و التخمين و الهذيان و إتباع الهوى. و زعمه هذا لا يمكن التأكد منه يقينا إلا عن طريق الشرع وحده، و بما أن أرسطو لا يعرف شرعا و لا وحيا إلهيا، فمن أين جاء بخرافة العشق و المعشوق؟!.و بما أن الشرع بين أيدينا و ليس فيه تلك الخرافة، دلّ كل ذلك على أن ما زعمه أرسطو و أصحابه هو ظن و خيال، لا يمتُ إلى البرهان و اليقين بصلة، و لا هو من العلم و الموضوعية في شيء.
و الشاهد الثالث مفاده أن أرسطو أكد على ضرورة القول بأزلية الزمان بقوله: (( فواجب ضرورة أن يكون الزمان سرمدا ) )، و من لم يقل بأزلية الحركة فقوله بالتخريف أشبه )) [3] . و قوله هذا غير صحيح، و يتضمن أربعة أخطاء، أولها قوله بأزلية الزمان، و هو زعم باطل شرعا و علما، و قد سبق أن بيناه. و ثانيها قوله أن أزلية الزمان واجبة بالضرورة، فهذا حكم غير علمي تماما، و إنما هو ظن و تخمين لم يُقمه على برهان و لا على يقين. و ثالثها إنه زعم بأن الحركة أزلية، و هذا باطل شرعا و علما، لأن العالم كله بزمانه و مكانه و مادته مخلوق لله تعالى. و الخطأ الرابع إنه وصف من لم يقل بأزلية الحركة بأن قوله بالتخريف أشبه. و هذا وصف لا يصح و غير علمي، و عكسه هو الصحيح، بمعنى أن قول أرسطو هو ظن و تخمين، و إلى التخريف أشبه، بل هو التخريف بعينه، لأنه خاض في موضوع غيبي ليس له فيه دليل قطعي، ثم بنى عليه زعمه بأزلية الحركة، و أنه واجب ضرورة. فأين حكاية برهانية فلسفة أرسطو التي قال بها ابن رشد؟.
و الشاهد الرابع مفاده أن أرسطو زعم أن العقل الخالص-الكلي- خالد أزلي، و هو واحد في كل الأفراد لا يفنى بفناء الفرد، لذا فهو كلي خالد أزلي، و إن (( كان يتعدد، فتعدده هذا يأتي من اتحاده بالنفس الفردية ) )، عندما يفنى الجسم يزول الاتحاد الذي حدث بين العقل و البدن. و من ثم تحدث المفارقة للعقل الأصلي أو الخالص، ليُصبح في حالته الخاصة مجردا من المادة، فيُصبح خالدا أزليا [4] . و
و قوله هذا زعم باطل، لا دليل صحيح له فيه من العقل، و لا من العلم، و أنما هو ظن و تخمين، و هذيان و تخريف، يُثير الضحك و البكاء، فأما إثارته للضحك فالرجل خاض في مسائل غيبية-
(1) أرسطو: مقالة الألفا الكبرى، ملحقة بكتاب مدخل على الميتافيزيقا، ص: 282. و مقالة الجيما، ص: 318. و الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص: 46.
(2) سبق توثيق ذلك.
(3) أرسطو: كتاب الطبيعة، حققه عبد الرحمن بدوي، الدار القومية للطباعة و النشر، 1965، ج 2، ص: 811، 812.
(4) مصطفى النشار: نظرية المعرفة عند أرسطو، ص: 84.