فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 232

لا يمكنه إدراكها أبدأ- و كأنه إله يعلم ما كان و ما سيكون، أو كأنه نبي مُرسل من رب العالمين أخبره بتلك الغيبيات التي ذكرها. و بما أن هذا الرجل لا هو إله و لا نبي، فمن أين له تلك الأخبار الغيبية التي ادعاها؟!.

و أما إثارته للبكاء، فهو أن هذا الرجل الذي يزعم العلم و العقل، و البرهان و المنطق، قد داس على كل ذلك، و رمى بنفسه في أحضان الخرافة و الأسطورة. فخاض في أمور غيبية لا يُمكنه إدراكها و وصفها بالعقل، فمن أين له أن العقل أزلي؟، و من أين له أن ذلك العقل عندما يُفارق البدن يتحد ليُكون عقلا كليا؟!، فهل هو يعلم ما كان و ما سيكون؟، و هل مات فرأى مصيره، ثم عاد إلينا ليُخبرنا بما رآه؟،و هل جاءه الوحي فاخبره بذلك؟، كلا و ألف كلا، إن الرجل داس على العقل و العلم، و الموضوعية و النزاهة العلمية، و لم يحترم عقله و لا قراءه. إنها محنة العقل على أيدي رجل يزعم أنه عقلاني برهاني!!.

و الشاهد الخامس مفاده أن أرسطو كان ينكر وجود أقمار لكوكب المشتري. و هذا غير صحيح، فقد تم اثبات وجود أقمار للمشتري منذ القرن السادس عشر الميلادي باستخدام المُقرّب. و من طريف ما يُذكر في هذا الشأن هو أن الفلكي غاليليو لما نظر في السماء بالمُقَرّب و رأى أقمارا للمشتري، و تبين له خطأ أرسطو في تقسيمه للعالم إلى عالم ما فوق القمر الأزلي، و عالم ما تحت فلك القمر الفاسد، و دعا بعض الأرسطيين لمشاهدة ذلك امتنعوا من الذهاب لمشاهدة ذلك، غيرة على مذهب أرسطو [1] .

و يتمثل خطأ أرسطو في ذلك في أمرين: أولهما أنه نفى وجود أقمار للمشتري، و هذا مُخالف للحقيقة لأن للمشتري أقمارا. و الثاني هو أنه-أي أرسطو- خاض في أمر غيبي لا يُمكنه التأكد منه بالبرهان اليقيني القاطع، لأن النظرة المجرده لا يُمكنها أن تفصل في الموضوع، لمحدوديتها و بعد كوكب المشتري. فكان عليه أن لا يجزم في الأمر أبدا. لأن الوسيلة الوحيدة التي كانت لديه آنذاك هي الظن و التحمين، و الترجيح و الاحتمال. و هذه لا تكفي أبدا لإصدار حكم قطعي في هذا الموضوع، فأخطأ لأنه لم يلتزم بالمنهج العلمي الصحيح.

و الشاهد السادس مفاده أن أرسطو ادعى أن الحرارة و الضوء اللذين تشعهما الأجرام السماوية يتولدان من احتكاكها-أي الأجرام- بالهواء، فمن طبيعة الحركة أن تولد الحرارة حتى في الخشب و الحجارة و الحديد. و من ثم فالأولى أن تتولد الحرارة فيما هو أقرب إلى النار، و هو الهواء، لكن الأجرام - لما كانت تدور في فلكها- فإنها لا تحترق، لكن الهواء القريب منها هو الذي يلتهب خاصة الهواء القريب من الشمس [2] .

(1) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الحديثة، دار القلم، بيروت، ص: 16، 20.

(2) أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية، ص: 299.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت