فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 232

و أشير هنا إلى أن أرسطو و أصحابه قاموا بعملية سطو و تأميم لجانب كبير من الفكر الفلسفي اليوناني، ثم نسبوه لفكرهم و فلسفتهم من دون حق. و من خلاله نفخوا أستاذهم أرسطو و لمّعوه و تعصّبوا له، حتى اعتقد فيه ابن رشد العصمة و الكمال البشري الإلهي و الملائكي. فهذه جريمة نكراء في حق التاريخ و العلم، و الإنسانية جمعاء، يجب كشف خيوطها و مظاهرها و رجالها و عدم السكوت عنها. و قد كان الباحث إرنست رينان قد أشار إلى ذلك عندما قال: إن أرسطو كان يأخذ أفكارا من مدارس قديمة، ثم يُدخلها في نسقه الفكري من (( غير أن يُكلّف نفسه عناء التوفيق بينها و بين لمحاته الخاصة ) ) [1] . و هذه العملية تندرج ضمن عملية السطو و التأميم التي أشرنا إليها آنفا.

و ثانيا إن وصفه لأرسطو بأنه الحكيم الأول-على عادة المشائين- هو وصف لا يصح، لأن أرسطو ليس هو الأول و لا هو الآخر، فقد سبقه حكماء كثيرون من الأنبياء و الصالحين، و أهل العلم قبل العصر اليوناني و بعده، و ما أرسطو إلا حلقة عادية من حلقات فلاسفة اليونان، و هو مدين في بروزه لمن سبقه من الفلاسفة، فهو لم يبرز لأنه أوجد أصولا و مبادئ فلسفية لم يعرفها من سبقه، و إنما هو برز لأنه عرف كيف يستغل الفكر اليوناني و يُوظّفه لصالحه من جهة، و مبالغة أصحابه في تضخيمه و تلميعه و التعصب له، مع سلبيتهم تجاهه من جهة أخرى.

و أما زعم ابن رشد بأن أرسطو هو مُتمم الفلسفة، فهو زعم باطل، لأن الإنسان مهما أوتي من قدرات علمية فأعماله تبقى عرضة للزيادة و النقصان، و لا يمكن لأرسطو و لا لفرد آخر من البشر، أن يُتمم الفلسفة بإلهياتها و طبيعياتها و منطقياتها، و تاريخ الفلسفة شاهد على ذلك، فهي ما تزال إلى يومنا هذا في صراع فكري بين مذاهبها من جهة، و في نمو و تطور من جهة أخرى و لم تكتمل بعد، و قد أثبت العلم الحديث أن معظم فلسفة أرسطو باطلة، و ليس فيها من الصحيح إلا القليل [2] ، فأين الكمال المزعوم.

و أما زعمه بأن أرسطو لم يُقصّر في موقفه من هالة الشمس و القمر، و لا في غيرها، و لا ترك شيئا يجب ذكره في ذلك. فهو زعم باطل و لا يصح لا يقوله إنسان عالم يحترم علمه و نفسه، فمن يكون هذا أرسطو لكي يُقال فيه ذلك؟؟، إن أرسطو نفسه لم يدع لنفسه ذلك، و اعترف صراحة بالنقص [3] . لكن ابن رشد المتعصب لا يُبالي بذلك، و يُجازف في وصفه لسلفه أرسطو، و نحن نعلم اليوم أن دفاع ابن رشد عن موقف أرسطو من هالة القمر، كان دفاعا باطلا، لأن التفسير الذي

(1) إرنست رينان: المرجع السابق، ص: 137، 138.

(2) سبق أن ذكرنا نماذج من ذلك.

(3) أبن رشد: تلخيص السفسطة، ص: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت