قدمه غير صحيح علميا [1] . و قد أخطأ أيضا في عشرات المواضع التي تناولها في إلهياته و طبيعياته و منطقه [2] . فأين زعم ابن رشد بأن أرسطو لم يُقصّر في العلوم؟.
و ثالثا إن قول ابن رشد بأنه يعتقد أن نظر أرسطو فوق نظر جميع الناس، هو قول باطل، مردود عليه، يدل على أنه لا يعي ما يقول، أو أنه يتعمد ذلك، و يُجازف في أقواله و مواقفه من دون ضوابط شرعية و لا عقلية و لا علمية. و هو بمجازفاته هذه يفتري على أرسطو و التاريخ، و على الحقيقة و القراء، و نحن لا نتوسع في الرد على هذا الهذيان لأنه ظاهر البطلان من جهة، و لأن ما ذكرناه في كتابنا هذا هو رد دامغ قاطع على ترهاته و هذيانه من جهة أخرى.
و أما زعمه بأن عمل أرسطو في وضع علوم المنطق و الطبيعيات و الإلهيات يُوجب تسميته ملكا إلهيا لا بشرا، و أن العناية الإلهية أرسلته إلينا ليُعلمنا ما يُمكن علمه. فهو زعم باطل مردود عليه، لا يصح أن يصدر عن عالم يحترم نفسه و علمه، و يدل أيضا على أن صاحبه سلبي قليل العلم، كثير التعصب و الدعاوى الجوفاء. لأن قوله المزعوم باطل شرعا و عقلا و علما، فأما شرعا فلا يصح وصف أرسطو بتلك الأوصاف، فهو ليس ملاكا و لا نبيا، و زعمه هذا هو رجم بالغيب، و قول على الله بلا علم، و افتراء عليه، لأن الله تعالى أرسل أنبياءه و رُسله ليُعرّفوا الناس بخالقهم و بكل ما يحتاجونه في دنياهم و آخرتهم، و لم يرسل أرسطو المشرك الصابئ ليدعوا الناس إلى الشرك، و القول بتعدد الآلهة، و أزلية العالم، و إنكار يوم المعاد!!.
و أما عقلا و علما، فأرسطو لم يُبدع علما في الإلهيات و لا في الطبيعيات و لا في المنطقيات، و لا جاء بعلم جديد لم يكن قومه يعرفونه. و لا كان في مقدوره أن يُعلّم الناس علوما لا يعرفونها. لأن الرجل أخذ علوم عصره الجاهزة و فق الطريقة التي تناسبه، و لم يأت بجديد خارق يُناسب مرتبة الملك الإلهي التي رفعه إليها ابن رشد، و البشرية لم تكن في حاجة ضرورية لعلوم أرسطو، لأنها -أي العلوم- كانت معروفة قبله، و عمله فيها لا يُؤهله أبدا بأن يُوصف بتلك الأوصاف التي لا يُوصف ببعضها إلا نبي مُرسل، و بأخرى إلا ملك مُقرّب. فابن رشد لم يلتزم بالشرع و لا بالعقل و لا بالعلم في تطرفه و غلوّه في أرسطو الذي هو شخصيا أقر بأنه قد يُوجد نقص في بعض أعماله [3] . لكن ابن رشد المتعصب و المتطرف خالف أرسطو فيما قاله و أنكر عليه ذلك، عندما اعتقد فيه العصمة، و زعم أنه لم يُقصّر في العلوم التي خاض فيها، و لا وُجدت له فيها أخطاء. و هذه مزاعم باطلة لا تصدر عن عالم نزيه حر التفكير يعي ما يقول.
و رابعا إن زعمه بأن أرسطو بلغ الكمال الإنساني، و لم يصل أحد إلى درجته في زمانه و بعده، و أن رأيه هو الحَكَم و الفصل، و مذهبه ترتفع عنده جميع الشبهات و الشكوك، و لم يجد له أهل العلم
(1) سبق تبيان ذلك في الفصل الرابع.
(2) سبق ذكر نماذج كثيرة من تلك الأخطاء.
(3) ابن رشد: تلخيص السفسطة، ص: 40.