فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 232

خطأ فيما ذهب إليه. فهو زعم باطل مردود عليه، و مُثير للضحك و الدهشة و الاستغراب من هذا الرجل-أي ابن رشد- الذي أوصله تعصبه إلى هذه الدرجة من الانحطاط و الدونية و السقوط إلى الحضيض في تطرفه و غلوّه في أرسطو. علما بأن الحقيقة خلاف ذلك تماما، لأن الدرجة العلمية التي بلغها أرسطو هي عادية للغاية لا تحتاج إلى قدرات خارقة و لا عبقرية ملائكية، و قد يصلها و يتجاوزها أي طالب علم له هِمة و إرادة قوية، و صبر على المشاق. علما أن مكانة أرسطو العلمية لم تكن في الإبداع و الاكتشاف، و إنما كانت في الموسوعية العلمية عندما وجد الفكر اليوناني أمامه جاهزا، فاختار منه ما يناسبه، و هذا عمل عادي للغاية لا يتطلب قدرات خارقة و خلاقة، و إنما تتطلب جهودا و اجتهادات هي متاحة لكثير من أهل العلم لمن طلبها و أخذها بقوة و شجاعة.

و أما حكاية بلوغه الكمال الإنساني، و أن مذهبه هو الحكم الذي ترتفع عنده جميع الشكوك، و لم يجد له أهل العم خطأ، فهي حكاية مُضحكة، و خرافة من خرافات المشائين كابن رشد و أمثاله. لأن أرسطو ما بلغ كمالا في عقيدة و لا في سلوك و لا في علم، فالرجل كان مشركا صابئيا دهريا يقول بتعدد الآلهة، و أزلية العالم و أبديته، و من هذه عقيدته لا يصح أبدا الزعم بأنه بلغ الكمال الإنساني. و هو ما كان معصوما ليُقال أنه بلغ الكمال الإنساني، فهو شخصيا اعترف بوجود النقص في أعماله الفكرية، و فلسفته شاهدة على كثرة أخطائه و أوهامه و ظنونه و خرافاته في الطبيعيات و الإلهيات و المنطقيات.

لكن الغريب في الأمر أن ابن رشد قال في كتابه تهافت التهافت: (( و ليس يُعصم أحد من الخطأ إلا من عصمه الله تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان، و هم الأنبياء ) ) [1] . و قوله هذا يُخالف ما قاله في كتبه الفلسفية في تعظيمه لأرسطو و غلوّه فيه حتى اعتقد فيه العصمة و الكمال الإنساني، بل جعله ملاكا لا بشرا، فهذا تناقض ظاهر صارخ، فما تفسير ذلك؟!. نعم إنه قول ظاهر التناقض، لكنه لا يُعد تناقضا حقيقيا بالنسبة لابن رشد المزدوج الخطاب و الشخصية، و المتعصب لأرسطو، فهو لا يجد حرجا بأن يُظهر في كتبه العامة ما يُرضي الجمهور، و يذكر خلاف ذلك في مصنفاته الفلسفية الخاصة. و هذا معروف عنه، فهو كثيرا ما نصح إخوانه الفلاسفة بإخفاء تأويلاتهم الباطنية عن الجمهور من العوام و المتكلمين.

و يُستنتج مما ذكرناه أن ابن رشد كان مُغاليا في أرسطو، و لم يلتزم بالشرع و لا بالعقل و لا بالعلم في موقفه من أرسطو و فكره. و لم يكن يتمتع بالروح العلمية النقدية الموضوعية في حكمه على ذلك الرجل. فأضر بنفسه و بالعلم، و قزّم ذاته أمام أرسطو و جعلها تابعة لرجل مشرك دهري صابئ، فلسفته مليئة بالأخطاء و المخالفات الشرعية. و نحن لا نعتذر لا بن رشد، لأنه تجاوز

(1) ص: 236.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت