الحدود الشرعية و العقلية، في تعصبه لأرسطو و غلوه فيه. و مهما اعتذر له محبوه، فإن اعتذارهم له باطل لأن الرجل تجاوز حدود الشرع و العقل و العلم. فما رأي أهل العلم من موقف ابن رشد من شخصية أرسطو العلمية، و من تعصبه له؟.
أولهم شيخ الإسلام ابن تيمية، إنه ذكر صراحة بأن ابن رشد كان متعصبا و مغاليا في تعظيمه لأرسطو و شيعته، حتى أنه زعم أن هؤلاء وقفوا على أسرار العلوم الإلهية [1] . و الثاني هو الباحث محمد عبد الله الدفاع، إنه قال: (( إن ابن رشد كان مُعجبا بأرسطو، و يُدافع عنه و يفتخر بالتلمذة لكتبه ) ) [2] . و قوله هذا لا يمثل إلا جانبا صغيرا جدا من الحقيقية، لأن ابن رشد لم يكتف بالإعجاب و المدح لأرسطو، وإنما تجاوز ذلك كثيرا حتى وصل إلى التعصب و التطرف و الغلو في أرسطو، فاعتقد فيه العصمة و رفعه إلى مرتبة الأنبياء و الملائكة. لذا فنحن لا نترك أقوال ابن رشد نفسه، و نتابع الباحث عبد الله الدفاع فيما ذهب إليه.
و أما الثالث فهو الباحث محمد عبد الهادي أبو ريدة، فإنه يقول: (( كان موقف فيلسوفينا -أي ابن رشد- من أرسطو موقف التقدير الذي لا حد له، و عباراته في تعظيم الفيلسوف اليوناني تكاد تضعه فوق البشر ) ).و دافع عنه في (( كل شيء تقريبا دفاعا لا يخلو من تعصب، اعتقادا منه بأن فيلسوف اليونان من أهل البرهان ) ) [3] .
و قوله هذا صحيح موافق لجانب من غلو ابن رشد في أرسطو، و إلا فهو قد رفع أرسطو فعلا فوق البشر عندما اعتقد فيه العصمة، و رفعه إلى مرتبة الأنبياء و الملائكة. و لا يشفع له اعتقاده بأن أرسطو من أهل البرهان، لأن هذا البرهان المزعوم -حتى إذا كان صحيحا- ليس مبررا للغلو و التطرف في أرسطو، ما بالك و أن تلك الفلسفة ليس فيها من البرهان الصحيح إلا القليل؟. لأن أي باحث موضوعي حر التفكير مُتحرر من التقليد و التعصب المذهبيين، إذا درس فلسفة أرسطو -زمن ابن رشد- على ضوء النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، فإنه يتأكد قطعا بأن فلسفة هذا الرجل باطلة في أساسها، و مليئة بالأخطاء و الأباطيل و الضلالات، و ليس فيها من الحق إلا القليل.
و الباحث الرابع هو عبد الحميد صبرة، إنه ذكر أن ابن رشد كان منكرا على كل من خرج على الفلسفة الأرسطية و مُكبرا لصاحبها، حتى أنه أضفى عليه-أي أرسطو-من عبارات (( الإكبار و التمجيد ما لا نجد له مثيلا في مفكر إسلامي آخر انتمى إلى الاتجاه المشائي، فأرسطو عنده هو الإنسان الذي منحه الخالق قوة تفوّق بها على سائر البشر ... ) ) [4] .
(1) ابن تيمية: درء التعارض، ج 8 ص: 181، ج 9 ص: 434، ج 10 ص: 143.
(2) محمد عبد الله الدفاع: العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية، ص: 94.
(3) محمد عبد الهادي أبو ريدة: مواقف ابن رشد في مجالات الفكر الديني الفلسفي و العلمي و السياسي و الأدبي، ضمن كتاب مؤتمر ابن رشد، الذكرى المئوية الثامنة لوفاته، 1978، الشركة و الوطنية للنشر و التوزيع، الجزائر، 1983، ج 2 ص: 283، 285.
(4) عبد الحميد صبرة: ابن رشد و موقفه من فلك بطليموس، ضمن كتاب مؤتمر ابن رشد بالجزائر، ج 1 ص: 338.