و آخرهم هو الباحث محمد عابد الجابري، إنه يرى أن ابن رشد لم (( يتعصب إلا للحق و الصواب ) ) [1] . و قوله هذا غير صحيح على إطلاقه، و فيه تغليط و تدليس، لأن طلب الحق ليس خاصا بابن رشد، فكل أهل العلم يقولون أن مطلبهم هو الحق، لكن النقد و البحث كفيلان بإظهار حقيقة كل منهم. لذا فإن تعصب ابن رشد كان-في الغالب- تعصبا لأرسطو و فلسفته، و لم يكن تعصبا للحق الذي جاء به الشرع الحكيم، و قال به العقل الصريح، و العلم الصحيح. لذا وجدناه قد زعم أن الحق هو ما قال به أرسطو، و ما خالفه فهو باطل، و هذا مقياس باطل شرعا و عقلا و علما، لأن الحق يُعرف بالدليل لا بالرجال. و هو لو كان طالبا للحق في كل أحواله، و من طريقه الصحيح من دون تعصب، ما وقع في ذلك التطرف و التعصب و الغلو في رجل عادي من أهل العلم، فكره مملوء بالأخطاء و الأوهام، و الخرافات و المخالفات الشرعية. فلو تجرّد للحق و أتاه من الطريق الصحيح ما وقع أبدا في ذلك التعصب والغلو الفاحش. لذا فنحن لا نترك أقوال ابن رشد التي تؤكد تعصبه لأرسطو و غلوّه فيه، و نأخذ بالرأي الذي ذهب إليه الجابري محاولة منه للتلبيس على القراء، و توجيه تعصب ابن رشد لأرسطو توجيها يخدمه.
و قال الجابري أيضا: إن موقف ابن رشد من أرسطو و فلسفته هو تقدير و إعجاب، جاء نتيجة (( تعامل علمي و مُعانقة منهجية، و بالتالي نتيجة ارتفاعه هو إلى مستوى أرسطو ) ) [2] . و قوله هذا مُخالف للحقيقة، و فيه تغليط للقراء، و تبرير لا يصح. لأنه أولا أن موقف ابن رشد من أرسطو ليس هو من التقدير و لا من الإعجاب، و إنما هو تجاوز ذلك بكثير، حتى وصل الأمر بابن رشد إلى اعتقاد العصمة في أرسطو، و رفعه إلى مكانة الأنبياء و الملائكة، و أقواله السابقة شاهدة على ذلك. لذا فلا يصح أبدا تجاوز أقواله المتعصبة و المغالية، و ذر الرماد في أعين القراء لصرفهم عن حقيقة غلو ابن رشد في أرسطو و تعصبه الشديد له بالباطل.
و ثانيا إن قوله-أي الجابري- بأن تقدير ابن رشد لأرسطو جاء نتيجة لتعامله العلمي و المنهجي مع فلسفة أرسطو، هو قول غير صحيح في معظمه، لأن ابن رشد لم يتعامل مع فلسفته بالشرع الحكيم، و لا بالعقل الصريح، و لا بالعلم الصحيح، و إنما تعامل معها بالتعصب و الظنون، و المبالغات و السلبية، فلو تعامل نعها بالمنهج الصحيح، لما خالف الشرع و العقل و العلم، و هذا أمر سبق أن بيناه و أثبتناه بعشرات الأدلة فيما تقدم من كتابنا هذا. و نحن لو تعاملنا مع فلسفة أرسطو بالعلم الحقيقي الذي يقوله الشرع و العقل و العلم ما صحّ منها إلا القليل، و لانهارت معظم أصولها، و أدركنا من صاحبها عجبا، مما كان يتخبط فيه من أوهام و ظنون، و ضلالات و خرافات. فنقدنا لفلسفته لا يقودنا إلى الإعجاب و الافتخار به، و المبالغة في تعظيمه، و إنما يُؤدي بنا إلى
(1) الجابري: ابن رشد، ص: 17.
(2) نفس المرجع، ص: 166، 176.