التعجب منه على جرأته في القول بلا علم، و الخوض في أمور غيبية لا يُمكنه إدراكها أبدا، معتمدا على الظنون و الأوهام، و الاحتمالات و الخرافات، كل ذلك باسم العلم و ما هو من العلم، و إنما هو في معظمه من باب قوله تعالى: (( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ) )- سورة النجم: 23 - .
و قال أيضا: إن ابن رشد كان شديد الإعجاب بأرسطو، لا يُوازيه و لا يتفوّق عليه إلا إعجابه بالقرآن و إيمانه به [1] . و قوله هذا غير ثابت و لا يصح، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأن ابن رشد لم يكن مُعجبا بأرسطو فقط، و إنما كان مُتعصبا مُغاليا فيه، حتى اعتقد فيه العصمة و رفعه إلى مرتبة الأنبياء و الملائكة، الأمر الذي يدل على أنه كان مُعجبا بأرسطو أكثير من إعجابه بالقرآن و إيمانه به. فلو كان مُقدما للقرآن على أرسطو و فلسفته، لاتخذه مقياسا له في علمه و حكمه على أرسطو و فلسفته، و ما قدم الفلسفة الأرسطية على شريعة القرآن الكريم [2] .و ذلك أن القرآن الكريم نص صراحة على ذم الشرك و المشركين، و الكفر و الكافرين، و توعّدهم كلهم بالجحيم و العذاب المُقيم، و نص على أن الحب في الله و البغض في الله في قوله سبحانه: (( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) )-سورة المجادلة: 22 - ، فالمسلم الصادق الكامل الإيمان لا يُحب الكفار، و لا ينتصر لأرائهم المخالفة للشرع، لكن ابن رشد خالف ذلك مُخالفة صريحة عندما تعصب لأرسطو المشرك الصابئ، و انتصر لفلسفته المخالفة للشرع و العقل و العلم. فهل من هذا حاله يُقال فيه أنه مُعجب بالقرآن أكثر من إعجابه من أرسطو؟!، أليس العكس هو الصحيح؟، نعم إنه هو الصحيح!!.
و من الأدلة على ذلك أيضا، أن طريقة تعامل ابن رشد مع نصوص القرآن هي دليل دامغ على أن ابن رشد كان إعجابه بأرسطو كان أكثر من إعجابه بالقرآن و إيمانه به. و ذلك أنه تعامل معه بثلاثة طرق، أولها أنه أوّل آيات كثيرة تأويلا تحريفيا لتتفق مع الأرسطية، فأرسط الإسلام و لم يُؤسلم الأرسطية.
و ثانيها إنه كثيرا ما اتخذ مواقف فلسفية انتصر فيها للأرسطية و أغفل فيها موقف الشرع منها، مع أن الشرع يفرض عليه كمسلم أن يذكره. و ثالثها إنه كثيرا ما اتخذ مواقف فلسفية أرسطية مُخالفة للشرع، من دون أن يُشير إلى ذلك من قريب و لا من بعيد، و كأن الأمر عادي للغاية.
(1) نفس المرجع، ص: 119.
(2) سنثبت ذلك في الفصل السادس عن شاء الله تعالى.