فهذه الطرق الثلاثة في تعامله مع الشرع هي شاهدة على تقديم ابن رشد للأرسطية على الشرع، و من ثم فإن إعجابه بأرسطو و فكره كان أكثر من إعجابه بالقرآن و إيمانه به بالضرورة المنطقية.
و ثالثا إن الجابري يرى إن العبارات التي وصف بها ابن رشد أرسطو لا (( تنم عن موقف غير موزون، و لا عن مبالغة مجانية، فمن المنتظر أن يُكبرها من لم يتعوّد على نصوص ابن رشد و على مصطلحه في التعبير ) ). كقولنا: عالم، و علامة، و نابغة، و عبقري، و بحر العلوم، و لا يُجادل (( أحد في العصور القديمة و لا الحديثة، في أن أرسطو يستحق أن يُوصف بأنه كان نابغة أو بحر العلوم ) ) [1] .
و تبريره هذا لا يصح، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأن كثيرا من عبارات ابن رشد -في وصفه لأرسطو- هي حقا و فعلا أنها تنم عن موقف غير موزون، و عن مبالغات و تعصبات مجانية، و تعبر أيضا عن موقف غير مسؤول و غير علمي. لأنه لم يكتف بعبارات التبجيل و الإعجاب و المدح، و إنما اعتقد فيه العصمة و الكمال الإنساني، و أنه أحاط بالعلوم، و رفعه فوق كل البشر، و أوصله إلى مرتبة الأنبياء و الملائكة. فهل هذه عبارات اعتدال، أم هي عبارات غلو و تعصب و تطرف، تجاوزت كل حدود الشرع و العقل و العلم؟!.
إنها ليست عبارات مدح و إعجاب، و لا تندرج في قولنا: عالم، و علامة، و عبقري، و بحر العلوم، إنها عبارات غلو و تطرف لا يمكن قبولها شرعا و لا عقلا و لا علما. إن ابن رشد كان متطرفا غاليا مُجازفا في وصفه لأرسطو الذي لا يستحق تلك الأوصاف هو و لا غيره من أهل العلم. و أرسطو و إن كان يستحق بأن يُوصف بأنه بحر العلوم، فهو أيضا يستحق أن يُوصف بأنه بحر من الأخطاء و الظنون، و الأوهام و الخرافات التي تكلّم فيها بلا عقل صريح، و لا علم صحيح، حتى أن الشيخ تقي الدين ابن تيمية وصف أقوال أرسطو و أصحابه في الله و صفاته و أفعاله بأنها أقوال لا يقولها (( إلا من هو من أجهل الناس و أضلهم، و أشبههم بالبهائم من الحيوان ) ) [2] .
و بما أن ابن رشد كان متعصبا لأرسطو مُغاليا فيه، فما هي أسباب ذلك؟، يبدو لي أن أسباب ذلك هي خمسة أسباب: أولها ضعف حصانة ابن رشد الإيمانية الإسلامية، مما جعلته ضعيف المقاومة، قليل الاعتزاز بدينه و الاستعلاء به. و ثانيها هو عدم حمله-أي ابن رشد- للمشروع الإسلامي الفكري كبديل شامل كامل للفلسفة في إلهياتها و طبيعياتها، و إنسانياتها و منطقياتها. فلم أعثر له على أي أثر يُشير إلى أنه كان يحمل ذلك البديل الإسلامي، لذا وجدناه يُخالف الشرع و يُغفله، و يُؤويله خدمة للأرسطية.
(1) الجابري: المرجع السابق، ص: 173.
(2) ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 355.