فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 232

و السبب الثالث هو شدة انبهار ابن رشد بالفلسفة اليونانية عامة، و الأرسطية خاصة، فغَزَته و صرعته، و كبّلته و أسرته، لأنها وجدت مقاومة ضعيفة، و قلبا مهيئا لذلك، فتمكّنت منه، و ملكته، و تربّعت عليه، حتى أوصلته إلى أن يُقدمها على الشرع قولا و فعلا [1] .

و السبب الرابع هو ضعف تكوين ابن رشد العلمي في مجال الإطلاع على تاريخ الفكر اليوناني و حضارته قبل أرسطو، فلو كان له إطلاع صحيح و واسع بمختلف مجالات ذلك الفكر لربما خفف ذلك من تعصبه لأرسطو و غلوّه فيه.

و آخرها-أي السبب الخامس- هو ضعف منهجه النقدي في الهدم و البناء، فالرجل-أي ابن رشد- لم يكن من فرسانه، و لا كان ناقدا مُبدعا مُتحررا من قيود التقليد و السلبية، لذا غلبت على أعماله الفلسفية الشروح و المختصرات و التلخيصات، و لا تُوجد من بينها دراسة نقدية هدمية للفلسفة الأرسطية التي هي فلسفة ضعيفة مُهللة مُخالفة للشرع و العقل و العلم في معظم أصولها. فالرجل كان من فرسان الشروح و التلخيصات، و المبالغات و التبجيلات، و التعصبات و التطرفات في موقفه من أرسطو و فلسفته. فلو كان يملك ذلك المنهج الذي ذكرناه لأمكنه تجاوز تلك الفلسفة و لأنجز دراسة نقدية هدمية بناءة تقوم على الشرع الحكيم، و العقل الصريح، و و العلم الصحيح. لكنه لم يفعل ذلك لأنه رضي بأن يكون تابعا لأرسطو مُتعصبا له مُغاليا فيه، داعيا إلى فكره خادما لكتبه، و هذا باعتراف منه عندم قال: (( إنما هو العناية بأقاويله-أي أرسطو- و شرحها و إيضاحها لجميع الناس ) ) [2] ، فهذا هو المنهج الذي ارتضاه هذا الرجل لنفسه، فأنى له -بهذا المنهج- أن يكون ناقدا حرا مُبدعا مُفلقا!!.

و ختاما لهذا الفصل- و هو الخامس- يتبين أن ابن رشد لم يكن موفقا في موقفه من البرهان الأرسطي و منطقه الصوري، و لا في موقفه من طرق الاستدلال الأخرى، و مكانة أرسطو العلمية عنده، التي بالغ في نفخها تعصبا و غلوا في صاحبها.

و قد تبين أن دعوى برهانية الفلسفة الأرسطية هي دعوى باطلة في عمومها، و لا تصح على إطلاقها. لأنها فلسفة جمعت بين البراهين و الظنون، و الأباطيل و الخرافات، و لم تكن برهانية خالصة كما ادعى ابن رشد، و قد أثبتنا أن معظم أصول تلك الفلسفة ليست صحيحة، و لا هي من إبداعات أرسطو.

(1) سنفصل ذلك في الفصل السادس إن شاء الله تعالى.

(2) سبق توثيق ذلك في بداية هذا المبحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت