فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 232

،و إنما هي فلسفة أرسطية مشائية أصيلة كثيرة التلفيق و التحريف، و هذا أمر سبق أن بينا جانبا كبيرا منه.

و فيما يخص قول الباحث محمد يوسف موسى فهو لا يصح أيضا، لأن ابن رشد كان فيلسوفا أرسطيا مشائيا كبيرا شديد التعصب و الغلو في أرسطو و فلسفته، فكيف يُقال: إنه كان أكبر ممثل و نصير للفلسفة الإسلامية؟!. فهذا تناقض و تغليط، و تلبيس على القراء، و بما أن التناقض قائم بين الشريعة و الأرسطية فلا يمكن أن يكون ابن رشد كما وصفه محمد يوسف موسى.

و أما ما قاله الباحث إرنست رينان فهو قول صحيح، و كلمة حق قالها عن مضمون فلسفة ابن رشد. فهي فلسفة أرسطية أبعدت الإسلام و حلت محله في الفلسفة التي سماها رينان فلسفة عربية. و هي تسمية لا تصح، لأنه بما أن مضمونها أرسطي، فكيف تكون عربية؟،و ما المقصود بالعربية؟، فهل عربية اللسان، أم عربية الفكر و الروح، أم عربية المضمون و العرق، أم ماذا؟. و أي وجه أخذنا به فتلك التسمية- أي الفلسفة العربية- لا تصح بما أن مضمونها أرسطي.

و أما ما ذهب إليه الباحث عاطف العراقي فإنه أصاب عندما أنكر كون فلسفة ابن رشد إسلامية، لأنه لا يصح أن تكون كذلك. لكنه جانب الصواب عندما سماها فلسفة عربية و هي ليست كذلك، لأنها كانت أرسطية الفكر و الروح و المضمون. و هي و إن كانت عربية اللسان فإن اللسان مجرد وسيلة، و الأفكار و المذاهب و العقائد و الأديان تُعرف بالفكر الذي تحمله، و لا تُعرف باللغات التي تُكتب بها. فدين الإسلام مثلا، لو كتبناه بكل لغات العالم فيبقى هو الإسلام و لا يتغير فكره و لا اسمه أبدا.

و أما اقتراحه بأن نسميها عربية، كقولنا: فلسفة فرنسية، و فلسفة ألمانية فالأمر ليس كما تصوّره، لأن معنى: فلسفة فرنسية هو نسبه إلى أمة فرنسية بروحها و فكرها و عقائدها أولا، كقولنا: فلسفة مصرية، و فلسفة جزائرية، ثم تأتي لغتها ثانيا. لكن اللغة قد تتخلف لأنها وسيلة بالدرجة الأولى، فإذا ترجمنا تلك الفلسفة -أي الفرنسية- إلى اللغة العربية، أو كتبها بعض الفرنسيين باللغة العربية، فهي ستبقى فلسفة فرنسية، و تسمى الفلسفة الفرنسية، و لا تسمى الفلسفة العربية، و هذا يصدق على كل الفلسفات. الأمر الذي يعني أن ما ذهب إليه عاطف العراقي -في تسميته للأرسطية بالعربية- لا يصح.

و ثانيا إن حقيقة فلسفة ابن رشد أنها ليست إسلامية و لا عربية و لا خليطا، و إنما هي فلسفة أرسطية مشائية في أصولها و معظم فروعها، و وجود بعض التأويلات الشرعية فيها لا يُغيّر من حقيقتها و أمرها شيئا و إنما تُؤكد تلك الحقيقة، لأنها-أي التأويلات- ما هي إلا عملية تحريفية لتتوافق مع الأرسطية. و لا يمكن أن تكون فلسفته إسلامية إلا إذا قامت على ثلاثة أسس رئيسية، أولها الاعتماد المباشر على القرآن الكريم في الأصول و الفروع. و ثانيها الاعتماد المباشر على السنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت