الروم / 30 )) ، و (( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) )- سورة الأعراف / 172 )) ، و قول رسول الله -عليه الصلاة و السلام- (( ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ) ) [1] . لكن ابن رشد أغفل ذلك و لم يذكره هنا، لكنه أشار إليه -أي دليل الفطرة- بعدما قرر ما نقلناه عنه، و لم يُورده كدليل مستقل، و إنما ذكره كأرضية للدليلين السابقين [2] .
و ثانيا إن التسمية التي أطلقها على الدليلين السابقين ناقصة، و إن كان معناهما صحيحا، فدليل الاختراع لم يرد في الشرع بهذا اللفظ، و لا وجود للفظ الاختراع في القرآن الكريم. لذا فإن اللفظ الشرعي الصحيح لفظا و معنى هو: دليل الخلق و الإبداع، فهذان اللفظان لهما ذكر في النصوص الشرعية، خاصة الأول الذي تكرر مرات كثيرة، كقوله تعالى: (( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ) )-سورة السجدة / 7 - ، و (( إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ) )- سورة آل عمران / 190 )) ، و (( َبدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) )-سورة البقرة / 117 - .
و أما بالنسبة لدليل العناية، فإذا كان معناه صحيحا، فإن هذا اللفظ لم أعثر له على ذكر في النصوص الشرعية، و يُستحسن تعويضه بدليل الحكمة، لأن الله تعالى وصف نفسه بأن حكيم في آيات كثيرة جدا، كقوله تعالى: (( إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) )- سورة البقرة / 220 - ،و (( إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) )- سورة الأنعام / 83 - ، فالعالم الذي خلقه الله تعالى شاهد علن أن خالفه حكيم، و لم يخلقه سدا و عبثا، و إنما خلقه لحكم و غايات سامية.
و ثالثا إن لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، تعليقا على طريقة ابن رشد التي قررها في الكشف، أنصفه فيها، بقوله: (( فهذا الرجل مع أنه من أعيان الفلاسفة المعظمين لطريقتهم المعتنين بطريقة الفلاسفة المشائين كأرسطو وأتباعه، يبين أن الأدلة العقلية الدالة على إثبات الصانع مستغنية عما أحدثه المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم من طريقة الأعراض ونحوها، وأن الطرق الشرعية التي جاء بها القرآن هي طرق برهانية تفيد العلم للعامة وللخاصة، والخاصة عنده يدخل فيهم الفلاسفة، و الطرق التي لأولئك هي مع طولها وصعوبتها لا تفيد العلم لا للعامة ولا للخاصة. هذا مع أنه يقدر القرآن قدره ولم يستوعب أنواع الطرق التي في القرآن، فإن القرآن قد أشتمل على بيان المطالب الإلهية بأنواع من الطرق و أكمل الطرق كما قد بُسط في موضعه ) ) [3] .
(1) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 856، رقم الحديث: 1292.
(2) نفس المصدر، ص: 121، 122.
(3) ابن تيمية: درء التعارض، ج 9 ص: 333.