فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 232

و رابعا إنه-أي ابن رشد- قرر هنا الطريقة الشرعية في إثبات وجود الله تعالى معتمدا على القرآن الكريم، كما نوّه به الشيخ ابن تيمية، لكنه هنا و إن أصاب في تقريره لهذين الدليلين، فإن الشيء الذي يُنتقد فيه، هو أن هذه الطريقة التي قررها في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، لا نعثر لها على ذكر في كتبه الفلسفية الخاصة -التي أطلعتُ عليها-، فنجده في هذه الكتب يُقرر محلها طريقة أرسطو و ينتصر لها، في موضوع خلق العالم و أزليته، و إثبات وجود الله و صفاته و أفعاله، فينتصر للطريقة الأرسطية التي يُؤمن بها، و يُهمل الطريقة الشرعية و يُقرر خلافها، و هذا ما سيتبن جليا في المبحثين الثاني و الثالث من هذا الفصل، الأمر الذي يعني أن ابن رشد في ذكره للطريقة الشرعية في كتابه الكشف كان واصفا و شارحا و مقررا لها، و لم يكن معتقدا لها، و إلا ما قرر خلافها و انتصر له!!.

و يرى ابن رشد أن الطريقة التي ذكرها القرآن الكريم في محاجة إبراهيم -عليه السلام- لقومه، في قوله تعالى (( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) )- سورة الأنعام / 75 )) . هي طريقة الفلاسفة في إثبات وجود الله و معرفته، التي تقوم على دليل الحركة، فهي طريقة الخواص الموصلة إلى اليقين [1] .

و رأيه هذا ضعيف، و مُستبعد جدا، لأن إبراهيم -عليه السلام- لم يكن في مقام تقرير طريقة إثبات وجود الله و معرفته، و إنما كان في مقام مناظرة قومه لإبطال ما هم عليه من الشرك، في عبادتهم للأصنام و الكواكب، بدليل أن تلك الآية سُبقت بالإشارة إلى ذم الشرك، و خُتمت الحادثة كلها بذم الشرك و التبرؤ منه، قال تعالى: (( و إذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين. و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين. فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) )-سورة الأنعام/ 74 - 79 - . و ذكر الحافظ ابن كثير أن قوم إبراهيم- عليه السلام- كانوا يعبدون الأصنام الأرضية التي صوّروها على صورة الملائكة السماويين ليشفعوا لهم، فناظرهم إبراهيم -عليه السلام- ليُقيم عليهم الحجة على بطلان ما هم عليه من شرك [2] .

و يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن تلك الآيات لا تدل على ما ذهب إليه ابن رشد، موافقا للجهمية و المعتزلة فيما قالوا به قبله، من أن إبراهيم-عليه السلام- عندما قال: (( لا أُحب الآفلين

(1) ابن رشد: الكشف، ص: 108.

(2) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج 2 ص: 202 و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت