فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 232

)) ، استدل بالحركة على حدوث الأجسام، و من ثم على وجود الله. لأن إبراهيم لم يحتج بالحركة و إنما بالأفول، الذي هو المغيب و الاحتجاب، لأن الآفل لا يستحق أن يُعبد. لذا قال: (( إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) )- سورة الزخرف / 26 - 27 - ، و (( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) )-سورة الأنعام/ 79 - ، فاستدل على ذم الشرك لا على إثبات الله تعالى، و استدل على ذمه بالأفول لا بالحركة، لأن تلك الكواكب و الشمس و القمر لم تتوقف عن الحركة، و لا تبرّأ منها إبراهيم -عليه السلام- بسبب حركتها، و إنما بسبب أُفولها، لذا قال: (( لا أُحب الآفلين ) )،و لم يقل: لا أُحب المتحركين [1] .

و أُشير هنا إلى أمر هام جدا، مفاده أن طريقة الفلاسفة -في إثبات وجود الله تعالى- التي نوّه بها ابن رشد و مدحها، و ادعى أنها طريقة الخواص الموصلة إلى اليقين، و التي تقوم على مبدأ الحركة، هي طريقة ليست كما وصفها ابن رشد، و لا تقوم على الأساس الذي وردت فيه تلك الآيات، و إنما هي طريقة خاصة بالفلاسفة المشائين، - منهم ابن رشد- تقوم على القول بأزلية العالم و أبديته، و أن الله ليس فاعلا و لا موجدا و لا خالقا له على الحقيقة، و إنما هو معشوق له، و علة غائية له، صدر عنه-أي عن الله- بالضرورة. فكان العشق هو علة الحركة الذي حرُك العالم الأزلي، و ليست الإرادة الإلهية هي التي حرّكته و لا أوجدته. فهذه الطريقة الأرسطية المشائية الرشدية، هي طريقة ظنية وهمية، تخالف الشرع جملة و تفصيلا، و ضعيفة جدا لا تستلزم إثبات وجود الله باللزوم و الضرورة، لأنها لا تقوم على أساس خلق العالم، و إنما قامت على أساس أزليته و أبديته، و هذه المقدمة النظرية تُؤدي إلى إمكانية الاستغناء عن الإله أصلا. فبما أن العالم ذلك حاله، فهو موجود بلا خالق، فليكن كل ما فيه أزلي مثله، بلا بداية و لا نهاية، كما يقول الدهريون الذي حكى عنهم الله تعالى أنهم قالوا: (( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) )-سورة الجاثية / 24 - ،و هذه المزاعم و الأوهام باطلة شرعا و علما [2] ، لأنها لا تقوم على القول بخلق العالم، الذي يعني بالضرورة وجود الخالق و المخلوق، فلا مخلوق بلا خالق. فشتان بين الطريقة الشرعية و العلمية في القول بخلق العالم و إثبات وجود الله، و بين طريقة ابن رشد و المشائين في إثبات وجود الله مع القول بأزلية العالم و أبديته!!.

و أُشير هنا أيضا إلى أن ابن رشد قبل أن يُقرر طريقة القرآن الكريم في إثبات وجود الله تعالى، أشار إلى طرق و آراء الفرق الكلامية في ذلك، كالأشاعرة و الصوفية [3] ، لكنه عندما وصل إلى المعتزلة، قال: (( و أما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى. و يشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق الأشعرية ) ) [4] .

فهل صحيح أن كُتب المعتزلة لم تصله؟، إنه أمر مشكوك فيه، و مُستبعد جدا، بدليل الشواهد الآتية: أولها إن ابن رشد (ت 595 ه) عاش في دولة الموحدين (541 - 668 ه) ، و هي دولة علم الكلام و الفلسفة، فكيف تصله كتب الفلاسفة الكبار، كأرسطو، و أفلاطون، و الكندي و ابن سينا [5] ، و لا تصله كتب المعتزلة التي المجتمع الإسلامي أقل مقاومة لها من كتب الفلسفة؟!. فقد كان بمقدوره أن يتحصل على مؤلفات المعتزلة بنفس الطريقة التي تحصل بها على مصنفات الفلاسفة. خاصة و أنه كان من رجالات دولة الموحدين المقرّبين من السلطان، و قد شرح مؤلفات أرسطو و لخصها بأمر من أحد سلاطينهم [6] .

و الشاهد الثاني هو أن في بعض مؤلفات ابن رشد ما يُفيد بأنه كان على إطلاع و علم بمقالات المعتزلة، فعندما ذكر أن للمتكلمين تأويلات جدلية، قال: (( و في بعض هذا الجنس تدخل تأويلات الأشعرية و المعتزلة، و إن كانت المعتزلة في الأكثر أوثق أقوالا ) ) [7] . فقوله هذا يدل على أنه كان خبيرا و متضلعا في مقالات الأشاعرة و المعتزلة معا، و إلا ما أمكنه تقرير ما قاله. خاصة و أنه قال هذا الكلام في كتابه فصل المقال، و هو أسبق في التأليف من كتابه الكشف عن مناهج الأدلة [8] ، الذي ذكر فيه قوله السابق!!.

و آخرها - أي الشاهد الثالث- هو أيضا يتضمن قولا لابن رشد، فعندما ادعى أن في الشرع أقاويل تتضمن التنبيه لأهل الحق على التأويل الحق، قال: (( و هذا ليس يُوجد لا في مذاهب الأشعرية، و لا في مذاهب المعتزلة. أعني أن تأويلهم لا يقبل النصرة، و لا يتضمن التنبيه على الحق، و لا هو حسن، و لذلك كثُرت البدع ) ) [9] . فقوله هذا شهادة دامغة بأنه كان مطلعا على مذاهب الأشاعرة و المعتزلة و متضلعا فيها، و إلا ما كان في مقدوره قول ذلك فيها. علما بأنه قال هذا الكلام في كتابه فصل المقال، و هو أسبق في التأليف من الكشف عن مناهج الأدلة، الذي ادعى في أن كتب المعتزلة لم تصله. فكيف هو يعترف صراحة بأنه كان على علم واسع بمذاهب

(1) ابن تيمية: درء التعارض، ج 9 ص: 83، 84. و منهاج السنة النبوية، حققه محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، 1406، ج 2 ص: 193. و مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 253، 254.

(2) سنتوسع في ذلك في المبحث الثالث من هذا الفصل.

(3) أنظر: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 101 و ما بعدها.

(4) نفس المصدر، ص: 118.

(5) عن ذلك أنظر الفصل الأخير.

(6) الجابري: ابن رشد، ص: 81 و ما بعدها. .

(7) الكشف، ص: 118.

(8) الجابري: نفس المرجع، ص: 103.

(9) فصل المقال، ص: 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت