كمثله شيء و هو السميع البصير )) -سورة النحل:74 - )) . فهو سبحانه وصف نفسه أيضا بصفات كمال لم يُوصف بها الإنسان، منها: الخالق، و الله، و البارئ، و الأول، و الآخر، و الصمد، و الحي الذي لا يموت و المتقدم و المتأخر، و بأنه (( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) )-سورة الإخلاص: 3 - 4 - )) .
و زعم أيضا أن تلك الصفات السبع هي (( القدر مما يُوصف به الله سبحانه و يُسمى به. هو القدر الذي قصد الشرع أن يعلمه الجمهور لا غير ) ) [1] . و هو هنا قد كرر افتراءه على الشرع فيما يتعلق بالصفات السبع، و أغفل نصوص الأسماء و الصفات الكثيرة الموجودة في الكتاب و السنة. و افترى عليه أيضا عندما زعم أن تلك الصفات موجهة للجمهور، بمعنى أنها لا تعني الفلاسفة أهل البرهان على حد زعمه، و إنما تعني جمهور الناس من المتكلمين و الفقهاء، و العوام [2] . و زعمه هذا باطل ليس له فيه دليل صحيح من الشرع و لا من العقل، لأن دين الإسلام جاء لكل الناس دون استثناء، سواء فيما يتعلق بالعقائد و المعاملات، أو الأخلاق و العبادات. لكن الرجل يريد أن يصل إلى القول بأن تلك الصفات لا تعني الفلاسفة، فهم أهل البرهان يُؤوّلونها على طريقتهم التحريفية. مما يعني أنه هنا كان واصفا مقررا لما ذكره لا معتقدا له.
و أما موقفه الثاني من الصفات، فيتعلق بصفة الجسمية، فقال: إن الشرع سكت عن صفة الجسمية، و هي (( إلى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها على نفيها. و ذلك أن الشرع قد صرّح بالوجه و اليدين، في غير ما آية من الكتاب العزيز. و هذه الآيات قد تُوهم أن الجسمية هي له من الصفات، التي فَضُل فيها الخالق المخلوق، كما فَضُله في صفة الإرادة، و غير ذلك من الصفات التي هي مشتركة بين الخالق و المخلوق، إلا أنها في الخالق أتم وجودا. و لهذا كثير من أهل الإسلام اعتقدوا أن الخالق جسم لا يُشبه سائر الأجسام، و على هذا الحنابلة و كثير ممن تبعهم. ثم نصّ على أنه لا يُصرّح في صفة الجسمية بنفي و لا إثبات، و يُجاب عمن سأل عنها من الجمهور بقوله تعالى: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )-سورة النحل:74 - )) [3] .
و زعم أيضا أن الشرع لم يُصرّح بنفي (( الجسم عن الخالق سبحانه لأن الجمهور، إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب من كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد ) ). و لو صُرّح بنفي الجسمية فإن ذلك يُثير شكوكا كثيرة في الشرع. منها ما يتعلق بالرؤية يوم القيامة، و وجوب انتفاء صفة الجهة ... و عن الخالق سبحانه لأن الجمهور، إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب من كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد )) . و إذا صُرّح بنفيها عَسُر تصوّر ما جاء من الله تعالى بتولي حساب الناس يوم
(1) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 134.
(2) سبق توثق هذا الزعم في الفصل الأول.
(3) الكشف، ص: 138، 139.