القيامة، لقوله تعالى: (( وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) )- سورة الفجر / 22 - ،و صَعُبَ أيضا تأويل حديث النزول [1] .
و ردا عليه أقول: أولا إن الشرع صرّح فعلا بنفي الجسمية، لأن الله تعالى وصف نفسه بأنه (( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ و َلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) )- سورة الإخلاص / 4 - ، فهذا نفي عام بعدم الكفء لله تعالى من كل الجوانب، فلا كفء له مطلقا. و وصف نفسه أيضا بأنه سبحانه: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )-سورة النحل:74 - )) ، فهذا نفي عام بعدم المشابهة و المماثلة بينه و بين كل مخلوقاته سبحانه و تعالى. الأمر الذي يعني أن الجسمية -التي هي من صفات المخلوقين- منفية عنه قطعا أيضا.
و ثانيا واضح - من كلام ابن رشد-إن مفهوم التجسيم عنده هو إثبات الصفات التي وردت في الشرع، و هذا مأخوذ من قوله: (( إلى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها على نفيها. و ذلك أن الشرع قد صرّح بالوجه و اليدين، في غير ما آية من الكتاب العزيز. و هذه الآيات قد تُوهم أن الجسمية هي له من الصفات ... ) ). و هذا مفهوم غير صحيح للتجسيم، لأن التجسيم يتعلق بالمخلوق، و لا يتعلق بالخالق الذي ليس كمثله شيء. و من ثمّ فلا يصح وصف آيات الوجه و اليدين بأنها قد تُوهم التجسيم، فبما أنها صفات لله تعالى، و هو ليس كمثله شيء، فلا يصح أبدا الزعم بأنها تُوهم التجسيم و التشبيه. لأنه يجب النظر إلى صفات الله تعالى -التي وردت في الشرع- انطلاقا من قاعدتي التنزيه الذهبيتين، و هما قوله تعالى: (( (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )-سورة النحل:74 - )) ، و (( و َلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) ).
كما أن قوله بأن صفتي الوجه و اليدين قد توهمان الجسمية، هو قول لا يصح إطلاقه على آيات الصفات كلها، لأن الشرع بنى مسألة الصفات على قاعدة التنزيه المطلق اللائق بالله تعالى، و ليس على قاعدة التجسيم و التشبيه. لذا فإنه من المفروض و الواجب شرعا و عقلا أن لا ننظر إلى الصفات الإلهية إلا من خلال قاعدة التنزيه التي تجنبنا النظر إليها من خلال التشبيه و التجسيم.
و ثالثا إنه-أي ابن رشد- كان متذبذبا و مضطربا في موقفه من الجسمية، فمرة قال: سكت عنها الشرع. و قال في أخرى: هي أقرب بالتصريح بها في الشرع من نفيها. و قال أيضا: (( فلا يُصرّح فيها بنفي و لا إثبات، و يُجاب عنها الجمهور بقوله تعالى: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )-سورة النحل:74 - )) . فواضح من ذلك أنه كان مضطربا، مع أن الشرع صرّح بنفيها. و لا يُجاب عنها للجمهور بقوله تعالى: (( ليس كمثله شيء ... ) )، لأن هذه
(1) نفس المصدر، ص: 140، 147.