فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 232

الآية نفسها تنفي الجسمية أصلا، و يُرد بها على المشبهين و المجسمين كلهم، و ليست خاصة بالجمهور كما ادعى ابن رشد، و إنما هي رد دامغ عليه و على من قال برأيه.

و رابعا إن تبريره بأن الشرع لم ينف الجسمية تفاديا لحدوث اضطراب و شكوك في تصوّر الجمهور للصفات، هو تبرير غير صحيح، لأن الشرع نصّ فعلا على نفي الجسمية، و لم يُثر ذلك اضطرابا و لا بلبلة و لا شكوكا في نفوس الصحابة و من سار على نهجهم من السلف الصالح، و لا أحدث فيهم خلافا حول الصفات، فهم قد اختلفوا كثيرا في مسائل الفقه، لكنهم لم يختلفوا في مسائل الصفات [1] . الأمر الذي يدل على أن تبريره بحكاية تصديق الجمهور بما (( يقع لهم التصديق بحكم الغائب، متى كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد ) )، هو مغالطة و تبرير لا يصح، لأن الصحابة و من سار على نهجهم من السلف الصالح، نظروا إلى الصفات انطلاقا من قاعدة التنزيه، و ليس من الواقع المادي، لذا فهم أثبتوا صفات الله تعالى بلا تشبيه و لا تجسيم، فآمنوا بقوله تعالى: (( لم يلد و لم يُولد ) )-سورة،،و (( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) )-سورة الحديد: 3 - ، و (( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ) )-سورة الفرقان: 58 - ، و ليس لهم في ذلك أمثلة في الواقع. لكن ابن رشد يبدو أنه ادعى ذلك ليجد مبررا و طريقا إلى ممارسة تأويله الباطني التحريفي.

و بناء على ما قلناه، فإن المسلمين ليسوا في حاجة أبدا إلى تأويل الجهة، و لا اليدين، ولا الوجه، و لا الرؤية، و الاستواء، و لا النزول، إذا نظروا إلى تلك الصفات و غيرها انطلاقا من قاعدة التنزيه، التي لا تشبيه فيها و لا تعطيل، و لا تكييف فيها و لا تجسيم، و إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية.

و أخيرا-أي خامسا - فإن قوله: إن الحنابلة قالوا بالتجسيم، هو اتهام باطل، لا دليل صحيح له فيه، و لا قال بذلك أئمة أهل الحديث و لا السلف الصالح، خلال القرون الثلاثة الأولى، و لا من سار على نهجهم إلى زمن ابن رشد و ما بعده. و في هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- ردا على ابن رشد-: (( وأما قوله: وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن اتبعهم، فيقال له: ليس في الحنابلة من أطلق لفظ الجسم. لكن نُفاة الصفات يسمون كل من أثبتها مجسما بطريق اللزوم، إذا كانوا يقولون: إن الصفة لا تقوم إلا بجسم، وذلك لأنهم اصطلحوا في معنى الجسم على غير المعنى المعروف في اللغة فإن الجسم في اللغة هو البدن. وهؤلاء يسمون كل ما يشار إليه جسما، فلزم - على قولهم - أن يكون ما جاء به الكتاب والسنة وما فطر الله عليه عباده، و ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها تجسيما. وهذا لا يختص طائفة: لا الحنابلة ولا غيرهم، بل يطلقون لفظ المجسمة والمشبهة على أتباع السلف كلهم، حتى يقولوا في كتبهم: ومنهم طائفة يقال لهم المالكية ينتسبون إلى مالك بن أنس، ومنهم طائفة يقال لهم الشافعية ينتسبون إلى الشافعي ) ) [2] .

علما بأنه إذا كان إثبات الصفات الإلهية الواردة في الشرع، هو تجسيم على ما ادعاه ابن رشد، فإن كل من يُؤمن بالله من الناس فهو مُجسم بما فيه ابن رشد نفسه. لأن الذي ليس له صفة هو المعدوم، و أما الموجود فلابد له من صفة أو صفات يتصف بها و تليق به، بغض النظر أكانت صفات كمال، أم صفات نقص. الأمر الذي يعني أن مفهوم ابن رشد للتجسيم غير صحيح، و معناه الصحيح هو أن تُثبت لله صفات، ثم يُقال: إنها تُشبه صفات مخلوقاته. فهذا هو التشبيه و التجسيم، و أما إذا أثبتنا لله تعالى الصفات التي وردت في الشرع، انطلاقا من قاعدة التنزيه، فهذا ليس تجسيما و لا تشبيها، و إنما هو إثبات صفات الكمال لله، و تنزيهه عن مماثلة مخلوقاته.

و أما موقفه الثالث - من الصفات- فيتعلق بصفة العلو، فذكر في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة، أن (( جميع الحكماء-أي الفلاسفة- قد اتفقوا أن الله و الملائكة في السماء ) ). و نصّ على أن ظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة التي تعني أن الله في السماء، كقوله تعالى: (( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) )-سورة السجدة / 5 - ، و (( تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) ) [3] -سورة المعارج / 4 - .

و أقول: أولا إن إثباته لصفة العلو هو أمر صحيح، موافق للشرع تؤيده نصوص ذكر بعضها، و أخرى لم يذكرها. لكن الغريب في الأمر أن ابن رشد سيقول خلاف ذلك في بعض كتبه، و الذي حكاه هنا عن موقف الفلاسفة من أنهم جميعا قالوا بعلو الله و أنه في السماء، هو أمر غير ثابت، و المروي عنهم خلاف ما ذكره عنهم.

فهو عندما ذكر موقف الفيلسوف الأسكندر الأفروديسي من مكان وجود الله، أورده و وافقه و انتصر له، فوصف الله بأنه (( قوة روحية سارية في جميع أجزاء العالم ) ) [4] . و قوله شاهد على أن الله موجود في كل مكان من العالم ممتزج به، و هذا خلاف قوله الأول الذي نصّ على أن الله تعالى بائن عن خلقه مُتصف بصفة العلو، و ليس ممتزجا بمخلوقاته. و مما يُؤيد أن ابن رشد قال خلاف قوله هذا، أن الباحثيّن محمد عابد الجابري، و جورج طرابيشي ذكرا عن ابن رشد خلاف هذا القول أيضا. فذكر الجابري أن الله عند ابن رشد ليس داخل العالم و لا هو خارجه [5] .و ذكر

(1) ابن قيم الجوزية: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، الرياض، دار العاصمة، 1998، ج 2 ص: 509، 510.

(2) ابن تيمية: درء التعارض، ج 10 ص: 250.

(3) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 145.

(4) ابن رشد: تهافت الفلاسفة، ص: 274.

(5) الجابري: ابن رشد، ص: 194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت