الصفحة 17 من 54

الذي أعجزكم ما هو مُركبٌ من سوى هذه الحروف ونظائرها التي لم نذكرها فهي تغني عن الكلِّ فلو ذكر (س) فهي لا تحتاج لإردافها ب (ش) وهكذا، فلكأنَّ القرآن نزل رسالة لغويَّة للعرب تحدِّيًا: يا عرب ويا أهل الُّلغة هذا كلامٌ بلسانكم ليس من كلامكم رغم كونه مُؤلَّفًا من نفس حروف لسانكم العربيِّ فإن لم تأتوا بمثل هذا القرآن فعليكم الإقرار بأنَّه ليس من كلام البشر لأنَّكم أنتم أفضل البشر على الأرض في هذا الِّلسان وخباياه وأسراره وحروفه فعجزكم عن محاكاته عجز لغيركم من باب أولى. هذا عن لغة الله الخاصَّة؛ لأنَّ الله يتكلَّم وقتما شاء كيفما شاء وبأيِّ لسانٍ شاء فهو الذي تكلَّم بالتَّوراة والإنجيل بالعبرانيَّة وأنزلهما منه على موسى وعيسى على التَّرتيب وهو الذي يسمع دعاء السَّائلين في الأرض بشتَّى الُّلغات ومن حجَّ البيت الحرام أو اعتمر ليعلم هذا تمام العلم فيرى بعينيه ويسمع بأذنيه مدى اختلاف الألسنة والَّلهجات فهذا يدعو بالعربيَّة وهذا يدعو بالإنجليزيَّة وهذا بالفرنسيَّة وهذا بالألمانيَّة ... وهذا ب ... و .. أمَّا الله عزَّ وجلَّ فلا تختلف عليه الأصوات والُّلغات والَّلهجات فالكلُّ يدعوا ويبتهل بلسانه والله يسمع الجميع في وقتٍ واحدٍ ويُؤتي كلَّ ذي سُؤلٍ سُؤله أو يدَّخره له في يوم الميعاد. ويوم القيامة سيحاسب كلُّ امرئٍ ويُسأل بلغته الخاصَّة ثمَّ أهل الجنَّة في النِّهاية سيكون لسانهم عربيًّا مبينًا. ولقد أرسل الله كلَّ رسولٍ بلسان قومه كما أخبر بذلك سُبحانه {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} إبراهيم: 4 بل لقد جعل الله اختلاف الأصوات من الآيات الباهرات الدَّالة على ألوهيَّته وطلاقة قدرته حتَّى يتساءل النَّاس ويتفكَّروا من الذي خلق تلك الأصوات والُّلغات وجعل هذا يتعلَّم لغة ذاك وهذا يتعلَّم لسان ذاك كي يفهم بعضهم البعض ويتزوج بعضهم من بعض وتستمر الحياة قال الله {وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} الروم: 22

الشَّاهد: أنَّ كلَّ الُّلغات مبدؤها من خالقها وهو قد شهد بتعدُّد الُّلغات التي دُعي إليه بها والتي أرسل بها أنبيائه ورسله كما سبق. وذلك لأنَّ كلَّ نبيٍّ نزل في قومٍ كان لابدَّ أن يخاطب النَّاس بما يفهمونه. ويُستفاد من هذا أنَّ القرآن ليس فقط هو كلام الله بل كلَّ كتبه من كلامه سُبحانه فكلام الله لا ينتهي لا كيفًا ولا كمًّا ولا حدود لعلمه {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} لقمان: 27 {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} الكهف: 109

ما سبق كان فيما يخص كلام الله الخاص لأنبياء مخصوصة في أزمنةٍ مخصوصة لأقوامٍ مخصوصة، لكن لمَّا كان الله عليمًا حكيمًا عزيزًا كان من تمام عزَّته أن تكون هُناك لغة سهلة يسهل قراءة حروفها ومعرفة كلماتها لكلِّ أحد .. فلقد جعل الله في كونه نوعين من الُّلغات أولاهما الخاصَّة وقد تقدَّم الحديث عنها وثانيهما العامَّة وهي كتابه المنظور أي الكون بما فيه من سماوات ومجرَّات وشموس وكواكب والأرض بما فيها من أنهار وجبال وأودية وزروع وطير وحيوان وإنسان وهذه لغة لم تنزل لأحدٍ خاصَّة بل جاءت عامَّة وهي كتاب مفتوح مُنذ خلقه أو كتبه جلَّ في عُلاه وينادي الجميع: أنا كتاب الله اقرؤوني فحروفي مُعجزة لمن بحث عنها فيا تُرى ما هي الحروف التي يتكوَّن ويتألَّف منها هذا الكتاب الكبير؟ قبل أن نتكلَّم عن ذلك لابدَّ من بيان حقيقة ذلك الكتاب والذي أمر الله في القرآن بقراءته بقوله {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. } يونس: 101 وقال {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} يوسف: 105 وقال أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت