ولقد اعتادت الفطرة البشريَّة على أنَّ العشوائيَّة لا تُولِّد النِّظام أبدًا كما يُقال إنَّ انفجار في مطبعة لا يمكن بحال أن يُنتج مُعجمًا مُرتَّبًا .. وأيضًا كون تركيب ذرَّة الهيدروجين ثابت في كلِّ عنصر بعد تحليله إلى أجزاء وإلى لَبِنَاته الأولى دليل قاطع على أنَّ خالقها واحد وإلا لتعدَّدت أشكال ذرَّة الهيدروجين ولأصبح من المستحيل فهم سُلوك الذَّرَّات وإن كان لكلِّ عنصر نظير أو نظائر حتَّى الهيدروجين فهذا له حِكَم ومدلولات لعلَّ أهمَّها هو إثبات طلاقة القدرة وأنَّ الذي خلق هذا بنظامٍ ثابت قادر على خلق ما لا نظام في ظاهره .. فضلًا عن كون النَّظائر ما هي إلا زيادة أو إضافة على الَّلبنة الأولى (ذرَّة الهيدروجين) فهي ليست بدعًا في ذاتها ولا خلقت نفسها ولا تمَّ خلقها بواسطة إله آخر وإلا لو كان الهيدروجين من خلق الله ونظائره كلٌ له إله فأين تلك الآلهة ولماذا لم تُعلن عن نفسها حتَّى الآن؟
ويُستفاد من هذا أنَّ الإله الذي يخلق ولا يستطيع أن يُعلن عن نفسه فهو عاجزٌ عن الكلام وعن خلق من يُبلِّغهم أنَّه خالق وإلا فكيف يعرف غيره أنَّه خالق فضلًا عن خلق رُسُل من جنس تكوين مُغاير للمُرْسَل إليهم فضلًا عن خلق النِّظام الكوني السَّماوي العُلوي والسُّفلي على تعدُّد صُوره وأشكاله. ثمَّ إنَّ الثَّابت أنَّ كلَّ نظام الكون واحد بدءًا من الذَّرَّة وحتَّى الأرض والقمر ثمَّ كلاهما مع الشَّمس ثمَّ جميعهم مع المجرَّة وتلك مع مثيلاتها .. الكلُّ يَسْبح حول مركز أكبر وهكذا وهذا ليس إلا لوحدة الخالق وإلا لوجدنا كلَّ جرم يَسْبح مع نفسه في أيِّ اتِّجاه يحلو له ولمَّا كان هذا غير مُشاهَد في عموم نظام الكون في الآفاق وفي النَّفس وفي الذَّرَّات عُلم أنَّ الخالق واحد وحتَّى لو وُجِد جِرم أو ذرَّة لا تتقيَّد بهذا النِّظام فهي مأمورة بذلك فتنفيذها لأمرٍ ما وإن بدا لك شُذوذًا عن النِّظام هو عين النِّظام وهو دلالة وجود من له القدرة على التَّدخُّل في أيِّ حدثٍ كوني وإحياء وخلق وإفناء وإماتة وإلا فمُعجزات الأنبياء كلّها خوارق للعادة وللنِّظام وعلامات قيام السَّاعة كلّها خوارق للنِّظام والجنَّة والنَّار وما فيهما خوارق لما ألفناه من المأكل والمشرب وطريقة التَّنعُّم والتَّعذيب على التَّرتيب .. فهذا معناه أنَّ ما كان بنظام فهو مأمور بذلك لا يحيد عنه إلا بصارف إلهي سواء أتمَّ مُباشرةً من الذَّات العَلِيَّة أو برسولٍ من الملائكة أو بجندٍ من جنده وعندئذٍ يكون مُراد الله وحكمته وإن كُنَّا نراه بعقولنا القاصرة شُذُوذًا عن النِّظام يكون عندها هو عين النِّظام لأنَّ عُقولنا المحدودة وفهمنا القاصر ليس حُجَّة على سائر أنظمة الكون وإلا فالمتأمِّل في كوكب الأرض يجده قد مال عن محور الدَّوران المفترض بعقل الإنسان 23.5 درجة وعلى هذا فقس كلَّ الكواكب والأقمار .. وهذا من تمام الحكمة داخل النَّظام العام .. فالتَّنوُّع والاختلاف في الدَّقائق المحكومة بنظام واسع هو عين إثبات الحكمة الإلهيَّة. وإلا فبأيِّ شيءٍ يُرينا الله صفات القدرة والحكمة والقوَّة .. لابدَّ إذن من إحداث تغيير محسوب بدقَّة في النِّظام العام بحيث لا يخرج ما يتمُّ تغييره عن النِّظام. فدوران الأرض بهذا الميل لم يخرجها عن النِّظام العام الذي هو دوران من اليسار لليمين ولا من الدَّوران حول الشَّمس في نفس الاتِّجاه. بالمثل شمسنا تدور حول مركز المجرَّة ومعها سائر المجموعة بمحور مائل عن المستوى السَّطحي للمجرَّة ولهذا حِكَم ليس هذا محلُّ بسطها. بالمثل نجد في سُلوك الكائنات الحيَّة كالبكتريا التي تشذُّ عن طريقتنا في التَّنفُّس بأن تعتمد على أكسدة الكبريت ومنه تحصل على الطَّاقة اللازمة لها. هذا بعينه هو النِّظام لأنَّ الخلل في النِّظام أن تقوم بما نقوم نحن به عندئذٍ سيفسد الجوّ بغازات الكبريت وأكاسيده المتراكمة على مرِّ العصور ويختنق الجنس البشريّ وسائر المخلوقات التي تتنفَّس هوائيًّا .. والحكمة في كون التَّغيير والاختلاف سُنَّة كونيَّة هي عين النِّظام أنَّ كلَّ الخلق لو تمَّ تصميمهم وخلقهم في كلِّ نُظُم المعيشة والنَّشاط على غِرار سُلوك الإنسان وتركيبه وطريقة تزاوجه ونظام معيشته لاختل النِّظام ابتداءً. ولما كان