الصفحة 33 من 54

الله قادرًا على خلق سِوى نوع واحد من أنظمة الحياة ولكان هذا قدحًا في ألوهيَّته ونقص في صفات القدرة والحكمة والعلم تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

ثانيا: أنَّه لو تحقَّق وتحوَّلت كلُّ الكائنات إلى أحياء مُشابهة للإنسان لصارت هي كلُّها من جنس الإنسان ولما كان هُناك نبات ولا حيوان ولا غيرهما ولما وجد الإنسان ما يأكله ولا ما يلبسه بل لما وُجِدَ الإنسان أصلًا .. لأنَّه حينئذٍ لا ينفكّ إمَّا أن يأكل الإنسان بعضه بعضًا أو يأكل التُّراب وفي كلِّ الأحوال هو ميِّت لا محالة فيفنى جنسه تبعًا لذلك. وحينها أيضًا كان سيُكذَّب القرآن الذي زادت آياته الكونيَّة عن آياته الشَّرعيَّة الفقهيَّة والتي تقصُّ علينا إنعام الله علينا بسائر المخلوقات من نباتٍ وحيوانٍ وطيرٍ وكائناتٍ في البرِّ والبحر والجوِّ ولتساءل الإنسان حينها أين ما يُحدِّثنا القرآن عنه من نباتٍ وحيوان؟ فضلًا عن ذكر القرآن لأقوامٍ قبلنا تمَّ تدميرهم لعدم شكرهم تلك النِّعم والجنَّات والزُّروع .. أيضًا لو كان هُناك مخلوقات ولو ذرَّة واحدة لنقل مثلًا نظير الهيدروجين أنَّها ليست من صُنع الله بل من صُنع إلهٍ آخر خلق ما يُشبه الهيدروجين ليكون هذا الشَّبيه هو بداية ووحدة بنائيَّة لمخلوقاتٍ مُغايرةٍ لخلق الله لو حدث هذا لكان هذا معناه أنَّ الله قد سمح لإلهٍ غيره أن يُدخل في كونه ومُلكه ما ليس من خلقه وهذا قدح في وحدانيَّته إذ كيف يكون هو الواحد ويسمح على افتراض وجوده بإدخال مخلوقات جديدة تقدح في حُكمه وسبق علمه بما يحتاج إليه خلقه الدَّنيء منهم والعظيم .. الصَّغير منهم والكبير! ولكان هذا معناه أنَّ ذلك الإله المزعوم هو أقوى من الله لأنَّه لم يعترض على إدخال هذا الدَّخيل إلى خلقه ولو ذرَّة واحدة وما دونها تعالى الله عن ذلك عُلوًا كبيرًا إذ أنَّ نظام الكون مُنذ خُلِقَ لهو خير شاهدٍ على كون الله إلهًا واحدًا لا شريك له في الملك ولا نِدَّ ولا نظير ولا شبيه له لا في صفاته ولا في أفعاله سُبحانه. لأنَّ الكون يسير بنظام دون خلل مُنذُ خُلِقَ والأرض بمن عليها كلٌ يقوم بما كُلِّف به مُنذُ خلقه الله دون زيادة أو نقصان فمنها ما هو مُسخَّرٌ لنا ومُذلَّل لنا كالأنعام والبقر والغنم وما شابه وكالطُّيور المنزليَّة ومنها ما لا قدرة لنا عليه كالوحوش والسِّباع ومنها ما أُمِرْنا بقتله لعظيم خطره وضرره بالإنسان ومنها ما نُهينا عن قتله لفضله وفوائده.

والمُتأمِّل في عالم النَّمل مثلًا ليجد العجب العُجاب في نظام حياته وتدبير أموره ومملكته العظيمة تحت الأرض فهو أمَّة نموذجيَّة في كلِّ شيء لا يمكن بحال أن تكون قد جاءت أجداد النَّمل الأولى من إلهٍ آخر وضعها في أرضنا ثمَّ تركها إذ أنَّ هذا يعني أشياء:

أوَّلها: أنَّ هذا الإله لا يوجد لديه مكان يضع فيه تلك الحشرات فجاء بها إلى أرضٍ مِنْ خلق إلهٍ آخر وهذا قدحٌ لا شكَّ فيه في ألوهيَّة ذلك الإله الذي لا يوجد لديه قدرة على خلق أرض كأرضنا رغم بساطتها وحقارتها على الله العليِّ القدير.

ثانيها: أنَّ أرضنا كانت بحاجة إلى تدخُّل من هذا الإله الثَّاني لإصلاح ما فيها من نقص وأنَّ إلهنا عجز عن خلق مثلها كعجزه المفترض عن دفع تدخل ذلك الإله الثَّاني وكلاهما ممتنع في حقِّ إلهنا

ثالثها: أنَّه لو كان هذا صحيحًا وأنَّ النَّمل من مخلوقات إلهٍ آخر لكانت اللَّبنة الأولى لتركيب النَّمل من نظائر الهيدروجين مثلًا أو كانت من مُركَّبات أخرى لا نعلمها ولا نظير لها على الأرض فلمَّا امتنع ذلك لأنَّ النَّمل تركيبه أرضي ويعيش على ذرَّات أرضنا ويأكل منها وبتحليله هو من مركَّبات أبسطها الهيدروجين كما في الإنسان وسائر الخلق على الأرض ومنها يثبت أنَّ النَّمل مخلوق ضمن مخلوقات الله العليِّ القدير الواحد الأحد وأنَّ كلَّ ما على الأرض من مخلوقات فهو له وحده منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت