بدأ وإليه يعود حين يشاء لأنَّ وحدة المنشأ تعني وحدة المنشئ لذا فالله خلق الخلق ولو تركنا هكذا لما عرفنا أنَّ هُناك للكون إلهًا بل لقد أودع فينا من الصِّفات ما تمكِّنُنا من سماع الكلام وفهم معناه وتحليل مدلوله وأودع فينا صفات القبول والرَّفض وغرائز الجوع والجنس حتَّى شاء أن يُعرِّفنا بألوهيَّته وربوبيَّته عملت تلك الحواس عملها. فمنَّا من قبلها ومنَّا من حقَّت عليه الضَّلالة بإذنه ولعلمه السَّابق أنَّ هذا حقَّت عليه الضَّلالة وأنَّه لو كان الخلق كلُّهم مطيعين لما كان لتكليف بني آدم معنى ولما كان للجنَّة والنَّار حاجة ولما كان هُناك داعي لتسمية الإنسان بذلك لأنَّه حينها سيكون ملكًا.
ومن هذا المنطلق عرَّفنا الله أنَّه إله الكون وأنَّه الواحد ولا إله معه ودلَّل على ذلك بالعديد من الأدلَّة الحسيَّة والمعنويَّة ومنها ما ذكرنا كانتفاء تدخُّل آلهة معه في حُكمه ومنها أنَّه شهد لنفسه بذلك ومنها عجز غيره عن التَّعريف بنفسه أنَّه إله وأنَّ له خلق كخلق الله يقع خارج مُلك الله {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} الرَّعد: 16 {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} سبأ: 22 {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} النِّساء: 53
ومن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ، فَرَأَى أَعْلاَهَا مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً [1] .
بل لقد تحدَّاهم الله تعالى بخلق ذُبابة حتَّى ولو اجتمعوا لذلك {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} الحجّ: 73 ومن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن الله عزَّ وجلَّ قال: ومن أظلم ممَّن خلق خلقًا كخلقي فليخلقوا مثل خلقي ذرَّة أو ذُبابة أو حبَّة [2] . وفي رواية: ومن أظلم ممَّن خلق كخلقي فليخلقوا بعوضة أو ليخلقوا ذرَّة [3] . وفي ثالثة: ومن أظلم ممَّن خلق كخلقي فليخلقوا بعوضة وليخلقوا ذرَّة [4] .
فلمَّا كان المُلْك كلَّه تابعًا ولما عرَّفك الله الحقُّ أنَّه من خلقه امتنع وجود آلهة أخرى؛ لأنَّ الله هو المحيط ولا يحيط به شيئ لذا لما امتنع وجود آلهةً معه يُشاركونه أو يُشبهونه في الصِّفات والقدرة على الخلق واستحقاق العبادة له كان امتناع وجود النَّظير والشَّبيه من البشر أولى وأولى ومنها يُفهم سفاهة قول فرعون {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} النَّازعات: 24 وقوله {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} القصص: 38 فهو يعني بذلك مدى جهله بمعنى الألوهيَّة والرُّبوبيَّة لأنَّه قد جاء للدُّنيا من أبٍ وأمٍّ وتولَّى المُلْك بعد أن لم يكن له مُلْك ولا قُصور ولا نساء ولا مأكل ومشرب، كان له منها جنَّاتٌ وعُيونٌ وزُروعٌ ومقامٌ كريمٌ فكلُّ هذه جاء فرعون ووجدها جاهزة .. إذن فهو دخيل وطارئ وحدث عليها فكيف يستسيغ العقل أنَّه هُو الذي خلقها وأوجدها وقد خرج إلى الدُّنيا ووجدها مخلوقة؟! وإذا كان هو عاجزٌ عن خلق نفسه إلا إذا وُجِدَ هو قبل نفسه وهذا مُحال فكيف نقبل أن يخلق نفسه بعد أن يُوجد هو أصلًا ثمَّ يخلق نباتات وطيورًا وسماءً وأرضًا وُجِدت قبل أن يخلق هو شيئًا! وهذا مُشابه لكلام النَّصارى حين ادَّعوْا أنَّ عيسى هو الله لذا يقول جلَّ وعلا قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا
(1) متَّفق عليه: اللؤلؤ والمرجان، كتاب اللباس والزِّينة، باب: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة 1370.
(2) صحيح: رواه أحمد في المسند برقم 9071 وصحَّحه شعيب الأرنؤوط.
(3) صحيح: رواه أحمد في المسند 9823 وصحَّحه شعيب الأرنؤوط.
(4) صحيح: رواه أحمد في المسند 10831 وصحَّحه شعيب الأرنؤوط.