الصفحة 50 من 54

وبعضها سخَّرها لنا لنفعنا لحكمة، وبين هذه الحكم أو تلك يمحِّص الله المؤمن من الكافر والمطيع من العاصي ليرى صبر المبتلى وحمده، ويرى شكر المنعم عليه وحمده.

ثانيًا: لو أنَّ الأرض خالية من الفيروسات والبكتريا مثلًا لما أصيب نبات ولا حيوان ولا إنسان بأيِّ مرضٍ كان، ولما اهتمَّ أحدٌ بالعلم ولما اهتمَّ أحد بتطوير المحاصيل ومن ثمَّ زراعة النَّافع وعزل المصاب .. لأنَّه في حالة فقدانه الكائنات الدَّقيقة يفترض أن تخرج الأرض ثمارها كلَّها سليمة في حجم عملاق تكفي النَّبتة الواحدة منه الفئام من النَّاس .. حينئذٍ سينتشر الكسل ويقلُّ الكدح من أجل البقاء، أمَّا كون المحصول يُصاب بمرضٍ كتفحُّم سنابل القمح مثلًا تقوم قائمة المزارعين والفلَّاحين من أجل عزل النَّباتات المصابة وتجنُّب تكرار مثل هذه الكارثة، وتبدأ العقول تفكِّر والمعامل تنشأ، ويتم التَّهجين لتحسين مُستوى وجودة وإنتاج النَّباتات لتقاوم ما سخَّره الله من أجل أن يكدح الإنسان. ومن جانبٍ آخر لو لم يصب الإنسان بهذه الكائنات فهل كانت ستقوم للطبِّ قائمة؟ إنَّ الحياة شبكة مُتكاملة ومُترابطة بحكمة بالغة تعجز آلاف السَّاعات عن تبيانها، ولنضرب المثال .. فِطْرٌ ما سبَّب مرضًا لشخصٍ ما .. هذا الشَّخص يحتاج لعلاج وإلا مات .. لكن حكمة الله أن جعل العلاج إمَّا بتناول نوع آخر من الفطريَّات في أي صورةٍ أو مُستخلصٍ كانت .. أو في أزهار نباتٍ مُعيَّن أو جذور صنف آخر .. حينئذٍ لابدَّ وأن يكون هذا النَّبات مُتوفِّر قُبُلًا ومُعَدًَّا لاحتمال إصابة الإنسان بهذا المرض وهلمَّ جرَّا .. هذا يزرع العلاج وهذا يعالج به وآخر يزرع الغذاء لقوامة صُلب الإنسان وغيره يمدُّه بالفاكهة وذاك بالنَّبات ذات العطور المبهجة للنَّفس والشَّارحة للصَّدر وغيره يزرع نبتة لها أزهار تسرُّ النَّاظرين لتكون آية تدلُّ الحائرين على الله وعلى قدرته وبديع صنعه فيُسبِّحونه لكمال صفاته وجمال صنعته وحكمته في تقديرها وخلقها. وبينما صاحبنا في تفكيره يكون الفِطْرُ قد طوَّر المادَّة الوراثيَّة له ليقاوم الدَّواء فتنجح إحداها في النَّجاة من تأثير الدَّواء وتتكاثر لتصيب بدورها إنسان آخر يحتاج لدواء من نبات أو عشب غير الأوَّل أو مُستحضرات كيميائيَّة أصلها إمَّا من عناصر التُّربة أو صُخور الأرض أو نباتها وسُبحان الله تأمَّل كيف سخَّر بعض النَّاس لبعض وهي حكمةٌ بالغة فأين النَّقص وأين الخلل في المُلْك؟

ثالثًا: لو تركها الله لكن للاعتبار لتنظر يا ابن آدم يا من تتمتَّع بنعم الأرض والسَّماء .. تنظر إلى أزهار مُبهجة ذات ألوان شتَّى .. لكأنَّ الله يقول: كان من الممكن أن لا نخلقها على هذه الصُّورة، وتكون مثل نبات كذا الذي تركناه لك كعيِّنة ونموذج للخلق الأوَّل .. هل تراه؟ ها هو دون أزهار برغم أنَّ له ساقًا خضراء جميله وأوراقًا خضراء جذَّابة وتقوم بنفس عمليَّة البناء الضَّوئيِّ التي يفعلها النَّبات ذات الأزهار. ترى يا عبد الله هل كنت ستسعد لو كانت الأرض بلا أزهار؟ أكان يرضيك ألا يجد النَّحل أزهارًا يمتصُّ رحيقها ليصنع لك منه عسلًا يخرج منه خير غذاء وخير شراب وخير دواء؟! أكنت تحبُّ أن يمتصَّ عصارة نباتيَّة نيِّئة ليصنع لك منها سُمًّا زُعافًا يقضي عليك؟ تأمَّل تلك الأسماك في البحار ذات الألوان الرَّائعة التي يعجز بيانك عن وصفها من شدَّة حُسنها .. هل خلقناها لك عبثًا؟ هل خلقناك لتلعب أو خلقناك لتتعب أم خلقناك لتتمتع بالنِّساء على الفُرُش وتعيث في الأرض فسادًا .. فتأمَّل رسائل الله لعقلك، إنَّها رسائل تُقرأ بالعقل يفهمها كلُّ لبيب، مضمونها عبدي (كان من الممكن)

انظر لتلك الدُّودة في الأرض .. سخَّرناها لك لتصنع لك منها طُعْمًا تصيد به الأسماك لتأكلها .. انظر كيف تعيش في التُّراب! وكيف تأكل التُّراب .. ! أكنت تحب أن تكون مثلها .. تعيش في الظَّلام وتنام في الظَّلام؟ صحيح أن التُّراب لديها كالعسل أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت