الصفحة 49 من 54

تأتِ قبل تلك الألوف من السِّنين؟ ومَن الذي جاء بها وتركها في الأرض وعاد في أغوار الفضاء السَّحيق ولماذا؟ أعتقد أنَّه بذلك يظهر تخبُّطهم الشَّديد لأنَّهم أقحموا أنفسهم في الحديث عن عالم الغيب بلا دليل أو سُلطانٍ مُبين .. يقول الله {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} الكهف: 51 ونحن نردُّ على الذين يتخيَّلون لنا كيف تحوَّلت الخلائق بعضها عن بعض حتَّى ظهر الإنسان بقول الله سُبحانه حكايةً عن الذين نسبوا لله البنات ونزَّهوا أنفسهم عنها {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ - أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ - وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ - أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ - وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} الزُّخرف: 15 ـ 19 فنقول لهؤلاء الملحدين: أشهدتُّم خلقهم؟ أشهدتُّم خلقهم؟ ستُكْتَبُ شهادتكم وستُسْألون. فبداية الخلق من الأمور الغيبيَّة التي لا ينبغي لأحد أن يتكلَّم فيها إلا بدليلٍ من كتاب الله أو سنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - أو أثرٍ صحيح. أمَّا هؤلاء فلم يهتدوا إلى الحقِّ فضلُّوا {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ - وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} يونس: 35، 36

ولنعد إلى تأمُّلاتنا حتَّى لا يتشعَّب الموضوع إذ نحن مأمورون بنصِّ الكتاب بالبحث والتَّأمُّل في الخلق كيف بدأ لاستخلاص العبر، وتعظيم قدر الله جلَّ وعلا ومن ثمَّ تسبيحه وتنزيهه عن كلِّ مظاهر النَّقص التي ستتبيَّن لدينا بعد التَّأمُّل .. يقول الله {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} العنكبوت: 20

وليس المقصود أن نتأمَّل في كيفيَّة خلق الله للمخلوقات وإنَّما نتأمَّل في شكلها الأوَّل كيف كان وإلى أي شيءٍ صار وأنَّها لن تخلد في الأرض بل انتهت إلى ما يُسمُّونه بالحفريَّات وسجلَّات الخلائق لنعلم أنَّ نهايتها الحتميَّة هي الموت والذي هو سُنَّة من سُنَّن الله في خلقه .. وأنَّنا بعده سنُبْعَث من جديد لذا يقول سُبحانه { .. فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ ... الْآَخِرَةَ .. } وكلا الأمرين يستدعي تسبيح الله عزَّ وجلَّ لكونه حيًّا لا يموت ويخلق ولا يُخلق. لكن لو افترضنا أنّ الله قد طوَّر المخلوقات الأوُل فلِمَ ترك لنا المخلوقات البدائيَّة كما هي أي لِمَ لَمْ نر كلَّ مخلوقات الأرض بذريَّة وذات أزهار؟ لماذا تُركت الفطريَّات والكائنات الدَّقيقة والطَّحالب والبكتيريا على اختلاف ألوانها وأشكالها فضلًا عن الفيروسات تلك المخلوقات العجيبة الحيَّة في الحيِّ والميِّتة في الميِّتِ! هل نسيها الله، أو نسي أن يُعدِّلها؟ ـ تعالى سُبحانه عن ذلك عُلُوًا كبيرًا ـ .. أم أنَّه قد تركها لحِكَمْ وليس لحكمة واحدة؟

نقول وبالله التَّوفيق: أولًا: لو أنَّ الله قد أخفى الكائنات الدَّقيقة وأبادها فبأيِّ شيءٍ كُنَّا سنصاب بالأمراض ونُبْتَلَى؟ لو أخفاها المولى عزَّ وجلَّ كم من الفوائد والمنافع كُنَّا سنخسر بفقدانها .. ؟ لو أنَّه حوَّرها لما استطعنا صنع الجُبن ولا الزَّبادي ولا تخمير السُّكَّريَّات لإنتاج الخلِّ، عديد المنافع .. فضلًا عن الخمر التي بتحريم شربها يمحَّصُ المؤمن من المسلم العاصي .. أيضًا لو لم توجد تلك الكائنات لما هُضِم الطعام في أمعائنا .. إنَّ هذه الجيوش الجبارة تملأ أجسامنا وهي بالملايين بعضها سلَّطها الله على بعض ليقتله ويفترسه في أمعائنا وأفواهنا دون أن نشعر بذلك لحكمة .. وبعضها قد سلَّطه الله علينا ليُمْرضنا لحكمة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت