فَتح مَكة: قال ابن إسحاق: فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق في الحديبية بما استحلوا من خزاعة، وكانت في عقده وعهده خرج عمرو بن سالم الخزاعي، ثم أحد بني كعب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان ذلك مما أهاج فتح مكة. [1] عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبا لم أره غضبه منذ زمان، وقال: «لاَ نَصَرَنِيَ اللَّهُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْ بَنِي كَعْبٍ» قالت: وقال لي: «قَوْلِي لأِبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَتَجَهَّزَا لِهَذَا الْغَزْوِ» فجاءا إلى عائشة، فقالا: أين يُرِيدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: لقد رأيته غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبا لم أره غضبه منذ زمان من الدهر. [2] وهذا الأمر كان سببا رئيسًا في نقض الصلح، قال ابن هشام في السيرة: ثم إنّ رسول الله أعلم النّاس أنّه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجدّ والتهيّؤ وقال صلى الله عليه وسلم: «اللّهُمّ خُذْ الْعُيُونَ وَالأخْبَار عَنْ قُرَيْشٍ حَتّى نَبْغَتَهَا فِي بِلاَدِهَا» فتجهز النّاس .. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكة بعشرة آلاف مؤمن وقد خرجوا منها وهم قلة مستضعفون، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وحول البيت ثلاثمائة وستون نُصُبًا، فجعل يطعنها بِعُودٍ معه كان {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) } الإسراء
وفي فتح الباري لابن حجر وحسّنه، عن ابن إسحاق: .. أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة، واطمأن النّاس خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعًا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها .. ثم وقف على باب الكعبة فخطب وفي صحيح الترمذي للألباني عن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب النّاس يوم فتح مكة فقال: «يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ اللَّه قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّة [3] الْجَاهِلِيَّة، وَتَعَاظُمهَا بِآبَائِهَا، النَّاس رَجُلانِ: مُؤْمِن تَقِيّ كَرِيم عَلَى اللَّه، وَفَاجِر شَقِيّ هَيِّن عَلَى اللَّه، وَالنَّاس بَنُو آدَم، وَخَلَقَ اللَّه آدَم مِنْ تُرَاب» . قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) } . الحجرات
ولما أسلم أبو سفيان قال: العباس قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئا، قال صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ
(1) - سيرة ابن هشام، الروض الأنف للسهيلي، عيون الأثر لابن سيد الناس وسيرة الأمين المأمون لعلي الحلبي.
(2) - مسند أبي يعلى و (حسّنه) حسين سليم أسد.
(3) - عُبِّيَّة وعِبِّيَّة: أَي كِبر وفخر وعِبِّيَّةُ الجاهلية نَخْوَتُها. (لسان العرب) لابن منظور.