فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 104

ومما يبين أن خبر الواحد العدل يفيد العلم أدلة كثيرة: [1]

الدليل الأول: أن المسلمين لما أخبرهم الواحد وهم بقباء في صلاة الصبح أن القبلة قد حولت إلى الكعبة قبلوا خبره وتركوا الحجة التي كانوا عليها واستداروا إلى القبلة ولم ينكر عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بل شكروا على ذلك وكانوا على أمر مقطوع به من القبلة الأولى فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يتركوا المقطوع به المعلوم لخبر لا يفيد العلم، وغاية ما يقال فيه أنه خبر اقترنته قرينة وكثير منهم يقول لا يفيد العلم بقرينة ولا غيرها وهذا في غاية المكابرة. ومعلوم أن قرينة تلقى الأمة له بالقبول وروايته قرنًا بعد قرن من غير نكير من أقوى القرائن وأظهرها فأي قرينة فرضتها كانت تلك أقوى منها.

الدليل الثاني: أن الله تعالى قال"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا"وفي القراءة الأخرى {فتثبتوا} وهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد أنه لا يحتاج إلى التثبت ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم. ومما يدل عليه أيضًا أن السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كذا وفعل كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا.

وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة، وفي صحيح البخاري قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم-- في عدة مواضع وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم قال رسول الله -- صلى الله عليه وسلم-- وإنما سمعه من صحابي غيره، وهذه شهادة من القائل وجزم على رسول الله - - صلى الله عليه وسلم-- بما نسبه إليه من قول أو فعل.

فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لكان شاهدًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بغير علم.

الدليل الثالث: أن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وذلك جزم منهم بأنه قاله، ولم يكن مرادهم ما قاله بعض المتأخرين أن المراد بالصحة صحة السند لا صحة المتن بل هذا مراد من زعم أن أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لا تفيد العلم، وإنما كان مرادهم صحة الإضافة إليه وأنه قال كما كانوا يجزمون بقولهم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأمر ونهى وفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وحيث كان يقع لهم الوهم في ذلك

(1) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم ص 577

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت