معين ونحوهم على غيرهم. فنحن عند اختلافهم نعمل بالترجيح الذي يكون بالأكثرية، كما يكون بالقوة وتمام المعرفة، وهذا ما تميز به البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وقد عرف أيضًا أن الحكم بصحة الحديث لا يعتمد الإسناد دائمًا، فقد يكون له طرق أخرى يعرفها من صححه، أو يكون هناك قرائن تقوي ثبوته لم يطلع عليها من طعن فيه.
أما الترمذي فقد عرف عنه نوع من التساهل في التصحيح، ظهر ذلك بالتتبع. فحكمه بالصحة معتبر في الغالب. وقد يكون مقيدًا بما ظهر له وإن خالفه غيره.
وأما الحاكم فهو - وإن كان واسع الحفظ كثير الرواية- لكنه كثير التساهل في التصحيح، ولهذا لا يوثق غالبًا بتصحيحه وحده.
وقد تتبعه في مستدركه بعض العلماء كالذهبي، فوافقوه على الكثير مما حكم بصحته، وخالفوه في كثير مع إيضاح وجه المخالفة؛ مع أنه غالبًا إنما يجزم بصحة السند دون المتن، وذلك مقيد بما ظهر له من حال الرواة. وهذه سنة الله في وجود هذا التفاوت بين خلقه.
ولكن لا يلزم من الاختلاف في البعض التوقف في الجميع، فإن الغالب من أحاديث المصححين وغيرهما مما ثبت لم يقع فيه اختلاف بين الصحيحين والحمد لله.
3 -ومنها قولهم: إنما يجب حسن الظن بالراوي من غير جزم، لأن الله يقول في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء) . ولقوله تعالى: (إن بعض الظن إثم) (الحجرات:12) . ولم يقل: كل الظن. فيقال: هذا مما لا صلة له بما نحن فيه.
أما ظن العبد بربه وأمره بإحسان الظن. فذلك فيما يعامله به من الجزاء في الدارين، ولا شك أن الله قد حجب عن العبد ما هو فاعل به في دار الجزاء، فأمر بأن يحسن الظن بربه، لحمله ذلك على الرجاء الذي يستلزم الجد في الطاعة، ليتحقق ما ظنه.
أما قوله تعالى: (إن بعض الظن إثم) فسياق الآية في ظن المسلم بأخيه أنه اغتابه أو حسده، أو رام له شرًا، ونحو ذلك مما ينقله الوشاة لقصد إثارة العداوة والبغضاء، مع أن أكثره لا صحة له، ولكنه قد يسبب سوء الظن من المسلم بأخيه، فأمر المؤمنون بتجنب كثير من هذا الظن الذي يثير الشحناء والتقاطع بين المسلمين. وليس في الآية أمر ببعض الظن أصلًا.