فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 104

4 -ومنها قولهم: لو علم الله صدق خبر الواحد لم يخلنا من دليل على ذلك. فيقال: لا شك أن الله ضمن بقاء دينه وشرعه لهذه الأمة بعد أن أكمل لهم الدين، وأتم عليهم النعمة.

ولا شك أن أكثر تفاصيل هذا الدين إنما تؤخذ عن هذه الأخبار، فلو كانت كذبًا في نفس الأمر لأقام الله على ذلك أدلة وبراهين، كي لا يلتبس الحق بالباطل، فتقع الأمة في الزيغ والضلال.

وهذا أوضح دليل على أنها صدق وحق. وهكذا من أوضح الأدلة وأكبر البراهين على صحتها إجماع الأمة في الجملة على العمل بها.

فهذا الدليل ينبغي أن يعكس عليهم فيقال: لو علم الله أنها كذب مع عمل الأمة بها لأقام برهانًا واضحًا على عدم صحتها، فدل على أنها صحيحة ثابتة.

5 -ومنها قولهم: إننا لا نصدق كل خبر نسمعه، فلو كان خبر الواحد يفيد العلم لصدقنا كل ما سمعناه، وحصل به العلم كما يحصل بكل متواتر، ولم يلزم اشتراط إسلام الرواة وعدالتهم في قبول الآحاد، كما لا يلزم ذلك في المتواتر.

فيقال: حقًّا إننا لا نصدق كل خبر، ولكن لا يلزم منه تكذيب كل خبر، ولا التوقف في جميع الأخبار، فنحن نصدق البعض يقينًا، ونجزم بكذب البعض، وقد يترجح لنا أحد الاحتمالين من غير جزم، وقد نتوقف في البعض، وقد يحصل التوقف للبعض منا دون البعض؛ وهذه سنة الله في التفاوت بين خلقه في الأفهام والمدارك، فلا يلزم من رد البعض رد الكل.

أما حصول العلم بكل متواتر فإنما ذلك نظرًا لتوفر شروطه التي صدق عليه لأجلها اسم التواتر، وحصل به العمل الضروري، بخلاف الآحاد فإن أفراده تختلف، فلا يحصل العلم بكل آحاد.

أما عدم اشتراط العدالة والإسلام في رواة المتواتر، فإنما كان ذلك لحصول العلم بالكثرة التي يؤمن معها التواطؤ على الكذب، وهي مفقودة في الآحاد.

6 -ومنها قولهم: لو أفاد خبر الواحد العلم لما تعارض خبران، ونحن نرى الكثير من الأخبار تتعارض، فإن قيل بإفادة الجميع العلم حصل اجتماع الضدين وهو محال، وإن قيل بإفادة أحدهما كان ترجيحًا بلا مرجح. وهذا يحقق أن أحدهما لا بعينه كذب، فيوجب التوقف في كل خبر.

فيقال: إن هذا مجرد فرض لما لا يمكن وقوعه، كما لا يحصل ذلك بين متواترين، ولا بين خبرين تحتف بكل منهما القرائن المنفصلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت