ثم إذا حصل العلم اليقيني بالخبر فلا بد من خطأ كل خبر يعارضه المعارضة التامة.
ثم إن ما يوجد من الحديث الصحيح ظاهره التعارض يمكن حمل كل من المتعارضين على وجه صحيح.
ولقد تكفل العلماء بالسنة بالجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التناقض، فخرجوا كل حديث على معنى محتمل، كما فعل ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث) وكذا ابن القيم، وشيخه ابن تيمية في مؤلفاتهما.
وقد ذكرنا في المقدمة الجمع بين النهي عن كتابة الحديث بقوله: (لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن) مع الإذن فيها بقوله: (اكتبوا لأبي شاه) ونحوه وما لا يمكن الجمع بينهما حمل على التوسعة، وجواز الأمرين، كصفات صلاة الخوف، وألفاظ التشهد، أو على الخصوص كإذنه صلى الله عليه وسلم لامرأة أبي حذيفة أن ترضع سالمًا مولاهم، وهو رجل، لتصير أما له في المحرمية، مع قوله: (إنما الرضاعة من المجاعة) .
وقد يحمل على أن المتقدم من الحديثين منسوخ عند معرفة المتأخر كحديث: (الماء من الماء) . مع حديث: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) المتأخر عن الأول.
وما لا يمكن تخريجه على شيء من ذلك يحمل على خطأ بعض الرواة، لمخالفته رواية الأكثرين، وهو ما يسمى شاذًا، وقد سبق ذكره، وذلك كما روي في صلاة الكسوف بأكثر من ركوعين في كل ركعة ونحوه عند بعضهم.
7 -ومنها قولهم: لو حصل العلم بخبر الواحد لما احتيج في الأحكام إلى تعدد الشهود، ولا إلى يمين المدعي مع الشاهد، فعدم جواز الحكم بشهادة الواحد دليل عدم حصول العلم بخبره، فكذلك كل خبر واحد.
فيقال: لما كانت حقوق العباد بينهم كثيرًا ما يقع فيها النزاع والتشاجر، جعل الله الحكم بينهم بأمر ظاهر منضبط، هو البينة التي إذا وجدت تحتم الحكم بها. وليس ذلك لحصول العلم بما شهدت به، ولا لعدم حصوله بما دونها.
فإن الحاكم لو حصل له العلم بخلاف ما شهدت به لم يجزله القضاء بعلمه، والعدول عن البينة.