فالقاضي قد يحصل له العلم بالقضية بدون بينة، وقد يحصل له بشهادة واحد، وقد لا يحصل له بشهادة أربعة أو أكثر.
ولكنه مكلف بالحكم إذا تمت البينة، فلو امتنع من ذلك أثم، ولو كان الأمر في الباطن بخلاف ما حكم به.
ثم لا يلزم من الحكم بموجب الشهادة العمل بالظن، ولا القول بأن خبر الواحد إنما يفيد الظن، فيعمل به لذلك.
حيث إن الأخبار الدينية تتضمن شرع الله الذي تكفل بحفظه، وضمن بقاءه، فلا بد من وضوح ظاهر في الفرق بينه وبين ما سواه من الباطل. لذلك كان ما تضمنته هذه الأخبار حقًا متيقنًا، مقطوعًا بصحته، بخلاف ما شهدت به البينة، فإنه في حقوق العباد، مما قدر الله بينهم فيه التظالم والتعدي من بعضهم على البعض الآخر، وقد شوهد من بعضهم الكذب والزور.
فكان ما شهدت به البينة يكون أحيانًا مظنونًا وقد يكون متيقن الصحة أو الكذب، فالحكم إذا إنما يعتمد أمر الله بذلك، وهو أمر بشيء منضبط لاخَفَاء فيه، ثم فيه نوع من التعبد فيأثم من تركه.
وهذا بخلاف أخبار الدين، فإننا لا نحكم بثبوتها لنقل اثنين أو أكثر مع تطرق الشك، أو غلبة عدم صحة الخبر، ونصدق خبر من دون نصاب الشهادة إذا ظهرت أمارات الصدق.
8 -ومنها قولهم: لو أفاد خبر الواحد العلم لجاز نسخ القرآن ومتواتر السنة به، لكونه بمنزلتهما، فلما لم يجز ذلك دل على عدم إفادته العلم.
فيقال: يندر أن يقع الاختلاف الكلي بين نص من القرآن أو السنة المتواترة مع الآحاد الصحيحة، يحتاج معه إلى القول بالنسخ، مع أن النسخ حتى بالمتواتر قد أنكره بعض من ينتسب إلى العلم ونصره بعض المتأخرين.
ثم إن احتيج إليه فلا مانع من القول بالنسخ، ورفع الحكم السابق، عند تعذر الجمع، ولو كان السابق معلومًا بالضرورة، بعد تحقق ثبوت الخبر وتأخره.
وقد وقع ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فعمل أهل قباء بخبر الواحد الذي نقل لهم نسخ القبلة الأولى، وهكذا أبو طلحة الأنصاري أتلف جرار الخمر، وأمر بإراقتها اعتمادًا على خبر الذي نقل لهم تحريمها.