قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية:"وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ"أي: ليس لهم علم صحيح يصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع."إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا"أي: لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث.
فالشك والكذب هو الظن الذي ذمه الله تعالى ونعاه على المشركين ويؤيد ذلك قوله تعالى:"إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ"فوصفهم بالظن والخرص الذي هو مجرد الحزر والتخمين، وإذا كان الخرص والتخمين هو الظن فإنه لا يجوز الأخذ به في الأحكام؛ لأن الأحكام لا تبنى على الشك والتخمين. وعلى هذا فيلزمكم رد هذه الأحاديث في الأحكام، لأن التفريق بين العقائد والأحكام تفريق بين أمرين متلازمين متماثلين، وهو كالجمع بين المتناقضين، والترجيح بلا مرجح، وهو محال. [1]
قال الألباني: ولو كان الظن المنعي على المشركين في هذه الآيات هو الظن الغالب كما زعم أولئك المستدلون، لم يجز الأخذ به في الأحكام أيضًا، وذلك لسببين أثنين:
الأول: أن الله أنكره عليهم إنكارًا مطلقًا، ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام.
والآخر: أنه تعالى صرح في بعض الآيات أن الظن الذي أنكره على المشركين يشمل القول به في الأحكام أيضًا، فاسمع إلى قوله تعالى الصريح في ذلك: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا(فهذه عقيدة) ولا حرمنا من شيء (وهذا حكم) كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون، ويفسرها قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فثبت مما تقدم أن الظن الذي لا يجوز الأخذ به إنما هو الظن الغوي المرادف للخرص والتخمين، والقول بغير علم، وأنه يحرم الحكم به في الأحكام كما يحرم الأخذ به في العقائد ولا فرق. [2]
(1) مجلة البحوث الإسلامية (الجزء رقم: 68، الصفحة رقم: 269)
(2) الحديث حجة بنفسه للألباني ص 51