فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 104

وأما ما قيل من احتمال غفلة الراوي ونسيانه فيرده ما يشترط في خبر الواحد من كون كل راو من الرواة ثقة ضابطا، فمع صحة الحديث لا مجال لتوهم خطأ الراوي ومع ما جرت به العادة من أن الثقة الضابط لا يغفل ولا يكذب لا مجال لرد خبره لمجرد احتمال عقلي تنفيه العادة. [1]

قال أبو محمد بن حزم: ومما يبين أن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم تفيد العلم أن الله تعالى قال"وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم"فصح أنه صلى الله عليه وسلم مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مجمل كثير، كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا يعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، لكن بتبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان بيانه لذلك المجمل محفوظا ولا مضمونا سلامته مما ليس منه فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، وبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه إذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها مما أخطأ فيه المخطئ أو تعمد فيه الكذب الكاذب، ومعاذ الله من هذا.

و قال: وأيضا فنقول لمن قال: إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يوجب العلم، وأنه يجوز فيه تعمد الكذب والوهم، وأنه غير مضمون الحفظ: أخبرونا هل يمكن أن يكون عندكم شريعة فرض أو تحريم أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة، فجهلت حتى لا يعلمها علم اليقين أحد من أهل الإسلام في العالم أبدا؟ وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاوز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطا لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الإسلام في العالم أبدا، أم لا يمكن عندكم شيء من هذين الوجهين؟ فإن قالوا: لا يمكنان أبدا بل قد أمنا ذلك، صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبر رواه الثقة عن الثقة مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الديانة فإنه حق، قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو، وأنه يوجب العلم ويقطع بصحته ولا يجوز أن يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله قط رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلاطا لا يتميز الباطل فيه من الحق أبدا، وإن قالوا: بل كل ذلك ممكن كانوا قد حكموا بأن دين الإسلام قد فسد وبطل أكثره واختلط ما أمر الله تعالى به مع ما لم يأمر به اختلاطا لا يميزه أحد أبدا، وأنهم لا يدرون أبدا ما أمرهم الله به مما لم يأمرهم به، ولا ما وضع الكاذبون والمستخفون بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث، والذي لا يغني من الحق شيئا، وهذا انسلاخ من الإسلام وهدم للدين وتشكيك في الشرائع. ثم نقول لهم: أخبرونا إن كان ذلك كله ممكنا عندكم، فهل أمركم الله

(1) مجلة البحوث الإسلامية (الجزء رقم: 68، الصفحة رقم: 271)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت